الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


يوروفيجن وإسرائيل: صوت الميكروفون وصمت الضمير

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 12 / 13
الادب والفن


منذ سنوات، تحولت مسابقة الأغاني الأوروبية "يوروفيجن" من مهرجان موسيقي إلى ملعبٍ سياسي تلمع فيه الدول صورتها كما تلمع المطربات أحمر شفاههن قبل البث المباشر. لا أحد هناك يغني… الجميع يطبقون بياناً سياسياً على إيقاع الكتروني مشرق.
في كل عام تخرج إسرائيل إلى المسرح بوجهٍ مفعم بالثقة، ترتدي الابتسامة نفسها التي ترتديها أمام كاميرات مجلس حقوق الإنسان، وتغني للعالم أن "كل شيء بخير"، بينما الدخان لم يزل يتصاعد من غزة، والبيوت ترن أجراسها تحت الركام.
ينتصر الصوت الإسرائيلي مرة تلو أخرى، ويحصد المراتب العليا كأن أوروبا فقدت ذاكرتها الجماعية. لا أحد يسأل: أين هم نجوم الغناء الإسرائيليون عالمياً؟ لا أحد يرى أن هذا النجاح الموسمي لا يثمر نجماً واحداً في فضاء البوب والعالم. المسابقة ترفع إسرائيل وتترك فنانها يسقط في النسيان. فالمغني يؤدي مهمة سياسية لا أغنية. إنه ممثل البعثة الثقافية لحكومةٍ تؤمن أن الميكروفون مثل المندوب الدبلوماسي، وكل درجة تصويتٍ بمنزلة اعترافٍ دولي جديد.
لكن أوروبا هذه المرة لم تصفق طويلاً. فمع الحرب على غزة انفجر الصمت، وخرج الفنانون من مقاعد التحكيم ليرفعوا الجوائز كما تُرفع الأعلام البيضاء. الفائز السويسري نيمو ميتلر أعاد جائزته وقال: "القيم لم تعد تغني هنا". والآيرلندي تشارلي ماكغيتيغان، صاحب الأغنية التي حملت جائزة 1994، قال إنه سيعيد جائزته هو أيضاً. تخيل أن تتحول الجائزة، التي كانت رمزاً للانتصار، إلى دليل إدانة أخلاقية! لم يكن الاحتجاج غنائياً بل وجودياً؛ كأن الفن نفسه ضاق ذرعاً بهذا الاستعمال السياسي المبتذل.
ثم بدأت الانسحابات تتوالى مثل نغمات حزينة: إسبانيا، هولندا، أيرلندا، سلوفينيا... بل حتى دول الشمال الباردة احمرت وجوهها قليلاً من الخجل. آيسلندا وبلجيكا والسويد وفنلندا قالت إنها "تراجع الموقف". مراجعة الموقف! يا لها من جملة أوروبية تختلف فيها النتيجة حسب الطقس لا الضمير. المسابقة التي كانت تقام تحت شعار "الوحدة في التنوع"، تحولت إلى "الانقسام في الحيرة"، والجمهور يتساءل: هل ما نسمعه أغنية أم بيان سياسي بصوت جميل؟
لكن الغناء ظل مستمراً، والاتحاد الأوروبي للبث وجد العلاج المناسب: لا مواجهة، بل تعديل تقني. قلصوا عدد الأصوات، وأعادوا لجان التحكيم، وحرموا الحملات الدعائية الحكومية. لم يدركوا أن المسألة ليست في نظام التصويت، بل في قلب المسابقة نفسها. فحين تكون المشاركة الإسرائيلية هي الجرح، لا ينفع تغيير الضمادة.
وراء الكواليس، هناك أحاديث عن ضغوط دبلوماسية وابتسامات هاتفية بين تل ابيب وبعض عواصم أوروبا. الصحافة تكتب والاتحاد يصمت، وكأن الصمت الأوروبي هو اللغة الرسمية للمهرجان. الجميع يعرف، ولا أحد يريد أن يفسد "الاحتفال". فالموسيقى، في مفهومهم، ليست لغة الروح... بل لغة العلاقات العامة.
أما "اللغز" الإسرائيلي في الفوز المتكرر، فليست له معجزة فنية ولا موسيقية. السر في التنظيم والدعاية: جيوش إلكترونية، حملات تصويت، جاليات تتحول إلى كتائب ضغط عبر الإنترنت. تصويتٌ عالمي جديد يتيح لـ"بقية دول العالم" المشاركة في الاختيار، لكن من قال إن العالم يعرف ماذا يسمع؟ هكذا يتحول التصويت إلى فعل تعاطف، لا إلى تقدير فني. يفوز الموقف، وتُهزم الموسيقى.
ورغم ذلك، لا يخرج من كل هذا الضجيج نجم إسرائيلي واحد معروف عالمياً. لأن مسابقة "يوروفيجن" لا تنجب فنانين، بل تنجب "لحظات" إعلامية. المسابقة تكافئ الأغنية الخفيفة السريعة الزوال، مثل إعلان تجاري ناجح ثم منسي. فبعد الفوز، يطوى المغني كما تطوى اللافتة، ويعاد تخزينها بانتظار العام القادم. الدعم كله وطني ومؤقت، لأن الهدف ليس في النغمة بل في الصورة: أن تظهر إسرائيل على الشاشة الأوروبية وكأنها جزء طبيعي من العائلة البيضاء المتمدنة. الفوز هنا ليس انتصار أغنية، بل انتصار هوية مصطنعة.
وفي النهاية تبقى الأغاني مثل فقاعات الصابون: تلمع في الضوء قليلاً قبل أن تتلاشى. لا أحد يتذكرها بعد أسبوع، ولا أحد يرددها. أما السؤال الذي يبقى معلقاً في الهواء، بين المسرح والمعركة، فهو: هل يوروفيجن مسابقة غناء؟ أم مؤتمر صحفي للهوية السياسية، يعزف موسيقى الخلفية بينما ترسم خريطة العالم من جديد؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات