الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أصدقاء مرّوا… فصاروا وطناً
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 14
سيرة ذاتية
كانا لي صديقان مميزان ، عبد الهادي محمود ، وعادل محمد جاسم، اسمان لا يمران في ذاكرتي مروراً عابراً، بل يدخلانها كما تدخل الأغنية القديمة: بهدوء، ثم تملأ المكان كله. كنا ثلاثة نتكلم بعفوية لا تعرف الأقنعة، نلقي النكات كما تُلقى الحجارة في ماءٍ صافٍ، فنضحك على اتساع الدوائر التي تصنعها ضحكاتنا. لم نكن نحتاج إلى مقدمات طويلة، كانت الجملة الأولى تكفي لتفتح باب الوقت كله.
عرفت عبد الهادي محمود أيام الكلية، يوم كانت الحياة أقلّ تعقيداً، وأكثر قابلية للفهم. كنا أشبه بتوأم لم تلده أم واحدة، بل أنجبته فكرة مشتركة ونظرة متقاربة للحياة. كنا نرى العالم بعينين متشابهتين، ونختلف فقط في زاوية الضوء. نخرج سوية بلا تخطيط، نمشي كما لو أن الطريق يعرف أسماءنا. نرتاد المكتبات كمن يدخل معبداً، نلمس الكتب بحنوّ، ونشمّ رائحة الورق كأنها رائحة المستقبل. كانت المكتبة بيتنا الثاني، والكتاب صديقاً رابعاً لا يخذل.
كنا نشاهد الأفلام في السينما، لا لنقتل الوقت، بل لننقذه من الرداءة. نخرج من القاعة ونبدأ نقاشاً طويلاً، نختلف، نرفع أصواتنا أحياناً، ثم نضحك على اختلافنا، لأن الاختلاف بيننا لم يكن خصومة، بل شكلاً آخر من أشكال الانسجام. مع عبد الهادي تعلمت أن الصداقة ليست تطابقاً تاماً، بل قدرة على السير معاً رغم الفوارق الصغيرة. لم نفترق، أو هكذا كنا نعتقد. بقينا معاً حتى صار اسمنا يُذكر بصيغة المثنى بين زملائنا. “أين زميلك؟” فيُجاب: “معه”. كنا أيقونة صداقة، لا لأننا كنا كاملين، بل لأننا كنا صادقين.
أما عادل محمد جاسم، فقد دخل حياتي في مرحلة أخرى، حين كنا في ريعان شبابنا كصحفيين نحمل دفاترنا كمن يحمل أحلامه تحت إبطه. اخترته من بين الزملاء دون حسابات، وكأن القلب سبق العقل هذه المرة. كان في حديثه شيء يجذبك، وفي أفكاره حدة محببة، وفي صمته إجابات مؤجلة. كنا نلتقي ونتحدث ونتبادل الأفكار كما يتبادل الجنود الذخيرة قبل المعركة. نكتب ونحن نرتجف، لا خوفاً، بل رهبة من الحقيقة.
مع عادل كانت الكلمة هي الأساس. كنا نؤمن بالكلمة ونشكّ بكل شيء آخر. نناقش العناوين، نختلف على المفردة، نتشاجر على فاصلة، ثم نتصالح على فكرة. كان صديقاً يشبه المرايا النظيفة؛ لا يجاملك، ولا يكسرك، بل يعيدك إلى نفسك. اللقاء به كان سهلاً، كفنجان قهوة يُشرب على عجل، والمكالمة الهاتفية امتداداً طبيعياً للصمت. لم نكن نحتاج إلى أسباب كي نلتقي، ولا إلى أعذار كي نتأخر.
كنا نظن أن الزمن حليفنا، وأن الصداقة عقد غير قابل للفسخ. لكن الحياة، كما نعرف الآن، لا توقّع على شيء. انشغل عبد الهادي بمشاغله، وانشغل عادل بمساراته، أو ربما انشغلت بهم الحياة أكثر مما انشغلوا بها. صار الالتقاء عسيراً، لا لأن القلوب تغيّرت، بل لأن الجداول امتلأت. صارت المكالمة الهاتفية قصيرة، متقطعة، مثقلة بالصمت. نبدأها بحماسٍ متكلّف، وننهيها بوعد مؤجل: “نلتقي قريباً”، وهو وعد يعرف الطرفان أنه مؤدّب أكثر مما هو صادق.
أدركت متأخراً أن بعض الصداقات لا تنتهي بخلاف، بل بتراكم الأيام. لا تُقتل بطعنة، بل تُنهك ببطء. تصبح الذكريات أكثر حضوراً من الأشخاص، ويصير الماضي أكثر دفئاً من الحاضر. لا أحد مخطئ تماماً، ولا أحد بريئاً تماماً. الحياة لا تعتذر، ونحن لا نملك سوى التفهّم.
أحياناً أفتح مكتبة قديمة، فأجد كتاباً كنت قد قرأته مع عبد الهادي محمود، فأسمع صوته في داخلي ، يعلّق، يسخر، يعترض. أبتسم، ثم أشعر بوخزة خفيفة، ليست ألماً، بل حنيناً. وأحياناً أكتب سطراً صحفياً، فأفكر بعادل محمد جاسم: ماذا كان سيقول؟ هل كان سيوافق؟ أم سيهزّ رأسه بتلك الطريقة التي أعرفها، قبل أن يقترح عنواناً أكثر جرأة؟ فأبتسم أيضاً، وأكمل.
تعلمت من غيابهم النسبي أن الصداقة ليست حضوراً دائماً، بل أثراً باقياً. ليست مكالمة يومية، بل ذاكرة مشتركة لا تصدأ. قد يبتعد الأصدقاء جسداً، لكنهم يظلون قريبين بالمعنى. يسكنون جملة، أو نكتة، أو فكرة عابرة. يعودون إلينا في لحظة ضعف، أو في انتصار صغير نحتاج أن نشاركه مع من يفهم قيمته.
لم أعد ألوم أحداً. تركت للأيام حقها في التغيير، واحتفظت بالامتنان بدل العتاب. فليس كل من ابتعد خائناً، ولا كل من انشغل جاحداً. بعض الناس يأتون في توقيتهم الصحيح، ويغادرون حين ينتهي الدرس، دون ضجيج. عبد الهادي محمود علّمني كيف تكون الصداقة امتداداً للفكر، وعادل محمد جاسم علّمني كيف تكون امتداداً للموقف.
ومع ذلك، يبقى في القلب فراغ لا يملؤه أحد. فراغ يشبه مقعداً شاغراً في مقهى قديم، تعرف أنه كان مخصصاً لشخص بعينه. لا تجلس فيه، ولا تسمح لأحد أن يجلس. تتركه كما هو، وفاءً لذاكرة لم تخذلك يوماً.
أصدقائي لم يعودوا كما كانوا، وأنا أيضاً لم أعد كما كنت. لكن بين “كنت” و“صرنا” خيطاً رفيعاً من الود لا ينقطع. وحين يرن الهاتف ذات مساء، ويظهر اسم عبد الهادي محمود أو عادل محمد جاسم، سأجيب كما كنت دائماً: بعفوية، بنكتة جاهزة، وبقلب لا يزال يتسع للضحك… كأن الزمن لم يمرّ، أو كأن الصداقة أقوى من أن تهزمها مشاغل الحياة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. في بومباي.. أكبر حي فقير في آسيا معروض للبيع • فرانس 24
.. استقالة مدير مكتب ستارمر رئيس وزراء بريطانيا بسبب تعيين سفير
.. شركة روسية تحول طيور الحمام إلى طائرات مُسيّرة.. هل الهدف هو
.. إسرائيل توافق على حزمة إجراءات لتكريس سيطرتها على الضفة الغر
.. مراسل الجزيرة يرصد الأوضاع في بلدة برقة شمال نابلس