الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يختفي -قيصر- وتبقى الألغام الداخلية

ضيا اسكندر
كاتب

2025 / 12 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


لأعوام طويلة، كان "قانون قيصر" الستار السميك الذي اختبأ خلفه النظام البعثي حتى لحظة سقوطه، كلّما انفجرت أزمة أو انهار قطاع أو جفّت موارد البلاد.
وحين وصلت الحكومة الانتقالية الحالية إلى السلطة، لم تتردد في وراثة الذريعة ذاتها، وكأن المشكلة في واشنطن لا في دمشق.
لكن هذا الستار بدأ يتشقق أخيراً، بعد تصويت مجلس النواب الأميركي على إلغاء القانون بأغلبية واسعة (312 مقابل 112)، في خطوة تتجه الآن إلى مجلس الشيوخ، قبل أن تصل إلى مكتب الرئيس دونالد ترامب للتوقيع.
الإلغاء لا يعني نهاية العقوبات، بل استبدالها بآلية رقابية تُلزم واشنطن بمراجعة الوضع السوري كل 180 يوماً لمدة أربع سنوات، للتأكد من التزام الحكومة الانتقالية بملفات محددة: مكافحة داعش، وإخراج المقاتلين الأجانب من المناصب الحكومية، وحماية المكونات الدينية والإثنية. وفي حال الإخلال بهذه الشروط، يسمح التشريع بفرض عقوبات على أفراد بعينهم.
لكن وسط هذا الضجيج، تبقى الحقيقة الأوضح: وهي أن إلغاء "قانون قيصر" لا يغيّر جوهر الأزمة.
فالقانون كان جزءاً من المشكلة، لكنه لم يكن أصلها. الانهيار السوري صُنع في الداخل، عبر منظومة اقتصادية وسياسية أكلت نفسها قبل أن يلمسها أي تشريع خارجي، من مركزية أمنية تخنق أي مبادرة، وفساد مُمأسس يبتلع الموارد، واحتكارات مرتبطة بشبكات النفوذ، وغياب قضاء مستقل، وبنية تحتية مدمرة… هذه ليست آثار قيصر، بل ألغام داخلية زرعتها السلطة نفسها، ولا يمكن لقانون أميركي أن يزيلها.
وعلى المستوى النقدي، لم تسقط الليرة بسبب العقوبات وحدها، بل بسبب سياسات مالية كارثية: طباعة نقود بلا مقابل إنتاجي، اقتصاد ظلّ متضخم، شبكات تهريب ومحروقات وكبتاغون، وهجرة للكفاءات ورؤوس الأموال.
وحتى لو دخلت تحويلات أو استثمارات جديدة، فإن المستثمر سيجد نفسه أمام جدار واحد: بيئة طاردة لا تمنح أي ضمان.
من يضمن استقرار السياسة النقدية؟ من يحمي الأموال من قرار أمني مفاجئ؟ وكيف يمكن لأي ضخ مالي أن يصل إلى الاقتصاد الحقيقي، بينما البيئة الحالية تبتلعه قبل أن يلامس الأرض؟
وفي بلد تتقاسمه سلطات أربع: حكومة دمشق، الاحتلال التركي في الشمال و الشمال الغربي، والإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، وحراك محلي متصاعد في الجنوب (السويداء)؛ تتضاعف الأسئلة أمام أي مستثمر: لمن أدفع؟ من يضمن الطريق؟ من يحمي المشروع؟ ومن هو "الشريك الإجباري" الذي لا يمكن تجاوزه؟ هذه الفوضى وحدها كافية لقتل أي استثمار طويل الأمد، وفتح الباب فقط أمام اقتصاد الحرب، من تهريب، ومخدرات، وتجارة سريعة الربح.
ومع ذلك، يفتح إلغاء "قيصر" نافذة ضيقة. فقد يخفّف القيود على المصارف والشركات الوسيطة، ويسهّل التجارة والتحويلات، ويفتح اعتمادات لاستيراد مواد أولية وأدوية وقطع تبديل. وهذا بدوره، قد يحدّ من الارتفاع الجنوني للأسعار، لكنه لن يغيّر الواقع المعيشي جذرياً.
بعض الدول العربية قد تدخل في مشاريع رمزية أو محدودة، لكنها ستبقى حذرة، لأن البيئة الاستثمارية غير مستقرة، ولا أحد يريد التورط في اقتصاد هشّ ومحكوم بشبكات متصارعة.
أما المواطن السوري، فلن يشعر بانفراج حقيقي؛ لأن الأزمة التي يعيشها الناس بنيوية ومعيشية. قد تتوفر بعض السلع، ويستقر التضخم مؤقتاً، لكن القدرة الشرائية ستبقى في القاع، والخدمات الأساسية خارج نطاق التحسن.
ومع سقوط شماعة "قيصر"، ستجد السلطة نفسها عارية من الذرائع، في فراغ خطابي لم تعتد عليه.
في النهاية، لا يمنح إلغاء "قيصر" سوريا فرصة ذهبية، لكنه يخلق لحظة اختبار حقيقية: هل تستطيع السلطة إدارة اقتصاد بلا شمّاعات؟ وهل يمكن أن يظهر إصلاح، ولو جزئي، يعيد شيئاً من الثقة؟
الجواب لن يأتي من واشنطن، بل من الداخل السوري نفسه. ومن دون تغيير جذري في قواعد اللعبة، سيبقى أي انفراج مجرد استراحة قصيرة في مسارٍ طويلٍ من التدهور.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ


.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي




.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة


.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي




.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو