الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الثقب الخامس.. اليقظة
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
2025 / 12 / 14
الادب والفن
ثقوب المرايا
الثقب الخامس
استيقظ نون وهو يشعر بأن الهواء من حوله ليس هواءً، بل مادة لزجة لصمتٍ بعيد لم يصله سوى تردد صداه الخافت. وعندما فتح عينيه وجد نفسه في ممرّ طويل، جدرانه بلونٍ كالح لا يمكن تسميته، وإضاءته خافتة كأنها صادرة من ذاكرة شخص آخر. لم يكن يعرف أين هو، لكن كل شيء بدا له مألوفًا بشكلٍ مقلق: صفوف من المكاتب تمتدّ حتى تتلاشى على مرمى البصر، ملفات مفتوحة على طاولات تآكلها الزمن والغبار، تكاد لا ترى، وأصوات خطوات تأتي من اتجاهات لا يمكن تحديدها. على مقربة منه، كانت المرأة تراقبه والرجل يقف ليس بعيدا وراءها. كانا بلا ملامح واضحة، تشبهان مسودّتين لم تُعتمدا بعد، تتبادلان همسات قصيرة غير مفهومة، كأنهما تنتظران توجيهات من مصدر ما.
قالت المرأة دون أن تلتفت إليه:
ـ يبدو أنه استيقظ... لكن ليس في المكان المناسب.
فأجاب الرجل:
ـ إنه ما يزال يلهث في حلمه، إنه ما يزال يجري ولم يصل بعد. ولكن المكان المناسب بالنسبة لمن؟ نحن جميعًا في مرحلة مؤقتة، في مرحلة الترانزيت. إنه أستيقظ في حلمه فقط.
نهض نون بتثاقل من سريره الحديدي، أزاح الشرشف الأبيض وجلس على السرير المرهق وهو يحس ببرودة تسري في أطرافه. حاول أن ينهض واقفا، لكنه توقف كأنه مندهش من دهشته. كان هناك شيء أمامه، على الأرض، يبدو ككرة خيوط صغيرة تتنفس. أدرك أن هذا الكائن لن يتركه، أودرادِك رفع رأسه الخيطيّ، وبدا للحظة كأنه يتعرف على نون مثل من يلتقي انعكاسه بعد سنوات ضياع مرآته.
قال أودرادِك بصوت يحاكي ارتعاش اأجهزة الترانزستور القديمة:
ـ تأخرتَ. بل تأخرت أكثر مما كان متوقعا، كانوا ينتظرونك منذ زمن في المكتب.
رد نون وهو يتلعثم:
ـ المكتب… أي مكتب؟ لماذا أنا هنا؟، ثم لماذا تلاحقني كظلي؟
ضحك أودراديك، لكن ضحكته لم تكن ضحكة، بل خشخشة أوراق يابسة تُقلبها الريح، وقال:
.
ـ ربما لأنني ظلك، أنت نائم يا نون… لكنك استيقظت في حلم شخص آخر.
اقتربت المرأة من نون وسألته:
ـ هل أخذت رقم دورك في الطابور؟
ـ أي دور؟ أنا لا…
ـ بدون رقم لا يمكنك الدخول، وبالتالي لا يمكن تسجيلك ولا تكملة ملف القبول.
وقال الرجل:
ـ وبدون الحضور، لا يمكننا إثبات أنك موجود لا هنا ولا هناك ولا في أي مكان.
نون شعر بأن الأرض تهتزّ تحت قدميه. ليس اهتزازًا حقيقيًا… بل انتقالًا في الحالة، كأن الممرّ نفسه يتنفس ويتراجع، وكأن المكان يُعيد ترتيب الأروقة حسب أفكار نون المرتبكة.
قال أودرادِك:
ـ لا تتشبّث بالمنطق هنا
.
ـ وماذا أفعل؟
ـ أنتظر… كما يفعلون وما نفعل جميعًا.
ثم أضاف بخفة خيط:
ـ الانتظار هو الطريقة الوحيدة للتحرك وإثبات حقيقة الزمن.
أنتاب نون فجأة نوعا من الشك فيما حوله، فالتفت وسأل:
ـ هل أنت… جزء مني؟
ـ بل أنت ما تبقّى مني، يا نون
.
ـ هذا غير ممكن
.
ـ في هذا المكان، لا شيء “غير ممكن”
.
ثم اقترب منه حتى أحسّ بنَفَس خفيف يمرّ عبر جسده:
ـ أنا وعيك المهاجر، الذي وجد مكانًا آخر ليسكنه، ولكنني أعود دائما .. كما تعرف
.
ـ وهل أنا…؟
ـ أنت مجرد خطوة خلفي… كما كنت دائمًا.
تبادل الرجل والمرأة النظرات، ثم قالت المرأة:
ـ يجب أن نأخذه إلى المكتب، قبل أن يتسرب من بين أصابعنا، فالحلم بدأ يتصدع
ـ أي مكتب؟ قال نون بشبه صراخ.
فأجابه الرجل بحدة:
ـ المكتب الذي لا يعرف مكانه أحد… حتى يصل إليه.
وتحرك الجميع في مسيرة خيالية، يحركون أقدمهم بالتناوب ولكن دون أن يتقدموا أو يتأخروا خطوة واحدة، غير أن المكان كان غير مستقر على الإطلاق، كانت الممرات تتغيّر ببطء، يتحرك جدار هنا، تختفي إضاءة هناك، يُضاف باب لم يكن موجودًا. ونون يسير خلف أودرادِك الذي يشبه خيطًا يقود التائه المتردد نحو مصير لا يريد الوصول إليه.
تسائل نون
:
ـ هل سأعود؟
رد أودرادِك بلا رنين:
ـ لا أحد يعود من أحلامه يا نون…
ثم استدار وأكمل بصوت كأنه صادر من داخل نون نفسه:
ـ نحن فقط نسكنها مؤقتا.
وتابعوا السير في الممر الطويل، بينما بقي نون جالسا على حافة السرير، والممر يتوسع خلفهم كما لو كان يُكتب الآن، حرفًا بحرف، خوفًا بخوف، وعيًا بوعي، في كراسةٍ السيد نون، تسجّل كل ما يحدث… وكل ما لن يحدث. وكل ما يتبع
يتبع
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات