الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المقال الثاني: من الهولوكوست إلى فلسطين: كيف انتقلت الضحية؟ تفكيك آلية تدوير الألم من الذاكرة الأوروبية إلى الجغرافيا العربية
يحي عباسي بن أحمد
كاتب
(Abassi Yahia Ben Ahmed)
2025 / 12 / 14
قضايا ثقافية
1. الإشكال المركزي: متى تتحول الضحية إلى قوة استعمارية؟
في الوعي الأخلاقي الإنساني التقليدي، الضحية هي الطرف الذي يُنْصَتُ إلى ألمه، وتُستعاد له حقوقه، وتُحفظ كرامته. غير أنّ التاريخ الحديث قدّم نموذجًا مقلقًا: ضحية تتحول إلى مشروع قوة، وإلى كيان يمارس القهر باسم الذاكرة.
الهولوكوست بوصفه أكبر جريمة إبادة جماعية في القرن العشرين (Bauman, 1989)، لم يبقَ واقعة تاريخية مغلقة، بل تحوّل إلى رأسمال رمزي وأخلاقي وسياسي عابر للزمن. ومن هنا يبدأ السؤال الفلسفي الخطير:
كيف انتقل موقع “الضحية” من اليهود في أوروبا إلى الفلسطينيين في الشرق الأوسط، دون أن يعترف النظام العالمي بهذا التحوّل؟
2. الهولوكوست: من الجريمة إلى “الهوية الأخلاقية المغلقة”
لم يتعامل الغرب مع الهولوكوست بوصفه:
• جريمة نازية ضد الإنسانية،
• أو انحرافًا حضاريًا داخل البنية الأوروبية الحديثة (Arendt, 1963)،
بل حوّله تدريجيًا إلى:
هوية أخلاقية حصرية لليهود، لا سياقًا تاريخيًا أوروبيًا ينبغي تحمُّله جماعيًا.
وبهذا الانتقال الخطير:
• خرجت أوروبا أخلاقيًا من دائرة الاتهام.
• وأُلقي بثقل الذنب على الجغرافيا العربية.
• وصار “تعويض اليهود” يتمّ بأرض ليست أرض الجريمة.
ما يسميه نورمان فنكلشتاين (2000) بـ:
“صناعة الهولوكوست”
حيث يتحول الألم إلى نظام سياسي متكامل يُنتج:
• سلطة،
• وحصانة،
• وابتزازًا أخلاقيًا دائمًا.
3. الآلية النفسية الغربية: تحويل الذنب إلى مشروع خارجي
في علم النفس الجمعي، الذنب غير المعالَج يتحول إلى:
• إسقاط (Projection)،
• أو تعويض قهري (Compensation).
أوروبا، بدل أن:
• تفكك جذور النازية داخل بنيتها الحضارية،
• وتعيد مساءلة الذات الحديثة عقلانيًا وأخلاقيًا،
اختارت الطريق الأسهل:
إزاحة الذنب نحو الخارج الجغرافي والسياسي.
أي:
• بدل علاج المرض في الداخل،
• جرى تصدير “الحل” إلى فلسطين.
وهكذا تحوّل الفلسطيني إلى:
ضحية بديلة لذنب لم يرتكبه.
4. من ضحية النازية إلى ضحية الضحية
هنا يبلغ التناقض ذروته الأخلاقية:
• اليهود كانوا ضحية الإبادة.
• الفلسطينيون صاروا ضحية تعويض هذه الإبادة.
لكن النظام العالمي لم يعترف بهذا الانزلاق الأخلاقي، لأن الاعتراف به يعني:
• سقوط السردية المؤسسة لإسرائيل.
• وعودة الذنب إلى مركزه الأوروبي الأصلي.
ولهذا حصل انقلاب في المعادلة الرمزية:
الأصل التحوّل
اليهود ضحية النازية اليهود “ضحايا دائمون”
الفلسطيني شعب قائم الفلسطيني “عقبة وجودية”
الاستعمار جريمة الاستيطان “حق تاريخي”
المقاومة دفاع المقاومة “إرهاب”
هذه ليست تحولات لغوية فقط، بل إعادة برمجة كاملة للوعي العالمي (Said, 1978).
5. الإعلام الغربي: هندسة النقل الرمزي للضحية
الدور المركزي في “نقل الضحية” لم يكن عسكريًا فقط، بل:
إعلاميًا–سرديًا–لغويًا.
فمنذ 1948:
o يُقدَّم الإسرائيلي بوصفه:
• محاطًا بالأعداء،
• مهدَّدًا بالإبادة،
• في حالة “دفاع دائم عن الوجود”.
o بينما يُقدَّم الفلسطيني بوصفه:
• عدوانيًا،
• غامض الهوية،
• فائض العنف بلا سياق.
وهكذا:
• تُسحب صورة الضحية من الفلسطيني روائيًا.
• وتُزرع في الجندي الإسرائيلي.
• فيحدث ما يمكن تسميته:
السرقة الرمزية لموقع الألم.
6. الفلسفة الأخلاقية المقلوبة: من العدالة إلى الحصانة
في الفلسفة الكانطية، تقوم العدالة على:
• مبدأ الكونية،
• وعدم استثناء أحد من المحاسبة (Kant, 1797).
لكن إسرائيل أُخرجت من هذا المبدأ عبر:
• تحويلها إلى “دولة الضحية الأبدية”.
• وبالتالي: كل نقد لها يُعدّ استهدافًا للذاكرة.
• وكل مساءلة لسلوكها تُقرأ كإحياء لمعاديـة السامية.
هكذا يحصل:
تعليق العدالة باسم الألم.
وهو أخطر انحراف أخلاقي يمكن أن يقع فيه الضمير الإنساني.
7. كيف تحوّل الفلسطيني إلى فائض ضحية بلا اعتراف؟
الفلسطيني اليوم هو:
• ضحية احتلال،
• ضحية تطهير عرقي متكرر (1948، 1967، غزة…)،
• ضحية حصار طويل الأمد،
• ضحية نزع إنسانيته إعلاميًا.
ومع ذلك:
• لا يُعترف به كضحية كاملة.
• بل يوضع دائمًا تحت شرط الإدانة المسبقة.
أي أنه:
ضحية بلا شهادة اعتراف عالمية.
وهذا أخطر ما في الأمر، لأن الضحية حين لا يُعترف بها:
• تُغتال مرتين:
1. ماديًا بالبندقية.
2. رمزيًا بالسردية.
8. الخلاصة
يمكن تلخيص البنية العميقة لانتقال الضحية في النقاط التالية:
1. الهولوكوست تحوّل من جريمة أوروبية إلى:
• هوية سياسية،
• ورأسمال رمزي عالمي.
2. أوروبا عالجت ذنبها عبر:
• تصديره إلى فلسطين.
3. الفلسطيني صار:
• ضحية لذنب لم يرتكبه،
• وضحية لسردية تنفي ضحيته.
4. إسرائيل تعيش اليوم داخل:
• حصانة أخلاقية مصنوعة من الذاكرة.
5. العدالة العالمية تعطّلت عند هذه النقطة:
• لأن الضحية الأولى صارت دولة،
• والضحية الثانية صارت “ملفًا أمنيًا”.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سوريا: الجيش يعطي مهلة جديدة لمغادرة مناطق سيطرة الأكراد بري
.. كل الخيارات على الطاولة… متى يحسم ترامب قراره تجاه إيران؟ |
.. ويتكوف: هناك حاجة إلى فتح معبر رفح الذي يستخدم ورقة ضغط
.. جولة في الصحافة العالمية بشأن القضايا الإقليمية والدولية
.. العربية ويكند | عراقجي يحذر ترمب: لا تكرر خطأ يونيو.. ستفشل