الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الهاتف… اليد الثالثة التي أطاحت بشخصية الشباب
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 15
العولمة وتطورات العالم المعاصر
لم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة اتصال، بل تحوّل عند جيلٍ كامل إلى عضوٍ إضافي في الجسد، يدٍ ثالثة لا تُفارق، حتى وإن تعارض وجودها مع العمل، أو الاحترام، أو أبسط قواعد الحياة. ما يحدث اليوم بين الشباب الصغير ليس شغفًا بالتكنولوجيا بقدر ما هو تبعية مرضية لجهازٍ يختصر العالم ويبتلعه في الوقت نفسه.
القصة التي تبدو عابرة ـ شاب يُفصل من عمله لأنه لم يستطع ترك هاتفه عن يده . ليست حادثة فردية، بل علامة إنذار حضاري. أن يختار شاب هاتفه على لقمة عيشه، على فرصة عمل حذّره صاحبها مرارًا، فهذا يعني أننا لا نواجه كسلًا ولا عنادًا، بل إدمانًا مكتمل الأركان. المفارقة الصادمة ليست في قرار صاحب العمل، بل في قرار الشاب: الطرد أهون من أن يفلت الهاتف من يده. وهذه طامة كبرى .
الهاتف لم يعد وسيلة، بل أصبح مرجعية نفسية ، واولوية قصوى . يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالأمان، بالانتماء، بالوجود. حين يمسكه يشعر أنه حاضر في العالم، وحين يُطلب منه تركه يشعر وكأنه يُنتزع من ذاته. هنا تتبدّى الكارثة: الهوية لم تعد تُبنى بالعمل أو المهارة أو الكرامة، بل بعدد الإشعارات والرسائل ومقاطع الفيديو.
الأخطر أن هذا السلوك يُبرَّر اجتماعيًا. لم يعد غريبًا أن ترى شابًا يعمل بيدٍ ويُحدّق في هاتفه بالأخرى، وكأن التركيز الكامل أصبح ترفًا قديمًا لا يليق بعصر السرعة. لم يعد يُنظر إلى الانتباه على أنه قيمة، بل كعائق أمام “المتعة الفورية”. العمل صار مقاطعة غير مرغوبة بين فيديو وآخر.
هذه الظاهرة لا تُدمّر علاقة الشاب بعمله فحسب، بل تُعيد تشكيل دماغه. الدراسات النفسية تتحدث عن تآكل القدرة على التركيز، عن ضعف الصبر، عن الحاجة الدائمة للتحفيز السريع. الشاب الذي لا يستطيع ترك هاتفه عشر دقائق لن يستطيع بناء مشروع، ولا تعلّم حرفة، ولا تحمّل مسؤولية أسرة. لأنه تربّى على اللذة السريعة، لا على المعنى البعيد.
والأكثر قسوة أن هذا الإدمان يُقدَّم على أنه “حرية شخصية”. لكن أي حرية تلك التي تجعلك عاجزًا عن ترك جهاز؟ الحرية الحقيقية أن تملك الشيء، لا أن يملكك. أن تستخدم الهاتف حين تريد، لا أن يستدعيك هو كل دقيقة. ما نراه اليوم ليس حرية، بل عبودية أنيقة بشاشة مضيئة.
حين يصبح الهاتف أغلى من العمل، وأهم من الكرامة، وأقرب من اليد نفسها، فنحن لا نخسر وظائف فقط، بل نخسر جيلاً كاملاً يُستبدل فيه الجهد بالإعجاب، والعرق بالإشعار، والحلم بمقطع قصير يُنسى بعد ثوانٍ.
القصة التي أثارتك بوصفك أبًا ليست شخصية، بل جماعية. إنها سؤال موجّه إلينا جميعًا: كيف نُربي أبناءنا على عالمٍ افتراضي دون أن نمنحهم أدوات النجاة في العالم الحقيقي؟ وكيف نلوم شابًا على إدمان صنعناه نحن، وباركته المدارس، وسكت عنه المجتمع؟ الهاتف ليس العدو، لكن تحويله إلى يدٍ لا تُفلت هو بداية خسارة كل الأيدي الأخرى: يد العمل، يد البناء، ويد المستقبل. في الختام اجدها عوائل سلكت سلوكا إيجابيا تجاه ابناءهم الصغار بمنعهم من الاقتراب من الهاتف مهما كانت التحديات لنجعل البعض الآخر من العوائل ان تتجه هذا المسلك التربوي .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. جاك لانغ يغادر معهد العالم العربي، استقالة قبل الإقالة لاعتب
.. الأردن.. مفاجأة غير متوقعة خلال عملية البحث عن مفقود
.. استمرار الحرب والدمار يزيد من حاجة سكان غزة للمساعدات الفعلي
.. منتدى الجزيرة السابع عشر يناقش القضية الفلسطينية والتوازنات
.. وفد فني سوري يزور حقلي رميلان والسويدية لتقييم جاهزيتهما