الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صورة واحدة تكشف صدق الحوارات
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 16
الصحافة والاعلام
ثمة مفارقات لا تنقرض في المهنة، بل تتكرر حتى تكاد تتحول إلى فصل ثابت من فصول يوميات الصحفي. من بين تلك المفارقات ما يواجهه الصحفي بعد حوار طويل، عميق، مليء بالتفاصيل والبيانات والانفعالات، حين يطلب ـ بمنطق المهنة وضرورتها ـ التقاط صورة للمُحاوَر لاستكمال عناصر اللقاء. وهنا تنقلب الطاولة فجأة: الرجل الذي كان قبل دقائق يتحدث بثقة، ويفتح خزائن أسراره المهنية أو الشخصية، يتجمد، يتردد، ثم يرفع راية الرفض بحجة واحدة تتكرر: "أنا متواضع ولا أحب نشر صورتي." هذه المفارقة التي تواجهنا دائما أصبحت لاتشكل علامات استفهام وتعجب . سوى ابتسامةٌ تمرّ على وجه الصحفي، لا لشيء سوى أنّ المفارقة أكبر من أن تُصدَّق. فالمتواضع – في نظره – لا يجد غضاضة في الظهور عبر حديث مطوّل منشور على صفحات واسعة الانتشار، ولا يرى حرجًا في سرد إنجازاته، وتقديم نفسه للقراء بوصفه شاهداً وصاحب تجربة. ولكن الصورة… تلك القطعة البصرية التي تمنح الكلام حياة… هي التي تثير حساسيته.
الصحافة ـ مهما اختلفت مدارسها ـ لا تنكر قاعدة قديمة عمرها من عمر الصورة ذاتها: الصورة أصدقُ أنباءً من الحديث. هي ليست زينة تُعلَّق في هامش النص، ولا عنصراً ثانوياً يكمل الشكل العام، بل نافذة بصرية تمنح القارئ فرصة لرؤية الحقيقة بعينين لا بكلمات. الصورة تقول ما لا يقوله الكلام، وتكشف ما يحاول البعض إخفاءه أو تلميعه أو صياغته. الصورة تُظهر الملامح، التفاصيل، لغة الجسد، حتى تلك الظلال الصغيرة التي تتوارى خلف جدران البلاغة. وكما قيل لنا في دراستنا للصحافة ان الصورة تعادل الف كلمة .
الرافضون للتصوير بحجة التواضع ينسون ـ أو يتناسون ـ أنّ الصحافة ميدان يتطلب الشفافية. كيف يمكن للقارئ أن يمنح ثقته لشخص يتحاشى أن يظهر بوجهه؟ وكيف يمكن لحوار يحمل رأيًا أو موقفًا أو اتهامًا أو تصريحًا أن يُنشر بلا هوية بصرية لصاحبه؟ الظهور هنا ليس ترفًا، بل جزء من مسؤولية المشاركة في الفضاء العام.
في المشهد الصحفي، يُفترض أن يكون رفض الصورة استثناءً تحكمه أسباب منطقية: اعتبارات أمنية، مخاوف واقعية، أو ظروف خاصة. أما أن يتحول إلى مظهر تواضع يُتَذرَّع به في اللحظة الأخيرة، فهو يفتح باب الشك عند القارئ ويضعف من مصداقية المحتوى ذاته. فالقارئ يميل ـ بالفطرة ـ إلى ربط القول بالوجه، والحديث بمصدره.
الصحفي، في نهاية المطاف، لا يطلب الصورة ليتباهى بها، ولا ليحوّل الشخص إلى نجمة على غلاف، بل يطلبها ليكتمل النص، ليُحترم القارئ، وليُحترم العمل نفسه. فالمقال أو الحوار بلا صورة يشبه شهادة بلا توقيع، أو قرارًا بلا ختم.
قد لا يدرك البعض أن الامتناع عن الصورة يضعهم في موضع لا علاقة له بالتواضع، بل يضعهم في دائرةٍ أقرب إلى الحذر المبالغ فيه أو الخوف من مواجهة الرأي العام بملامح واضحة. وربما ينسى هؤلاء أن الحضور البصري ليس رفعًا للرأس فوق الآخرين، بل مجرد خطوة صغيرة في مسار الحقيقة التي نحاول جميعًا مقاربتها.
ولعل الطرفة الأكبر في هذه المفارقة أن الصحفي، الذي يقف في العادة خلف الكاميرا، يعرف سرّ تلك اللحظة: الصورة تقول الحقيقة، مهما حاول الكلام أن يلوّنها. ولأنها تقول الحقيقة، يخشاها البعض أكثر من أي سؤال في الحوار. لهذا كله، لا يكون الرد على الرافض سوى جملة واحدة، صادقة وحاسمة: الصورة ليست عدواً… إنها الشاهد الأكثر شفافية في غرفة الحوار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بداية جديدة على جزيرة كريت اليونانية | يوروماكس
.. باريس سان جرمان يمطر شباك مرسيليا بخماسية ويستعيد صدارة الدو
.. من سنوات الجفاف إلى اختبار الفيضانات: كيف يستثمر المغرب الأم
.. فتح معبر رفح.. ما دور مصر في المرحلة الثانية من خطة ترامب لل
.. الحصبة.. ما سبب انتشارها في الولايات المتحدة؟ • فرانس 24