الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الشتيمة كفشل ثقافي: لماذا نُهين الصبر والوفاء؟
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 16
كتابات ساخرة
كان يتقدّم نحوه بعصبية، يلوّح بيده كأنّه يطرد ظِلًّا ثقيلاً يلتصق بصدره، ثم صرخ في وجهه: "يا حمار!"… لحظة واحدة كانت كافية لأدرك أن الشتيمة ليست موجهة إلى الرجل بقدر ما هي طعنة جديدة في ظهر ذلك الحيوان الصبور الذي لم يخطئ يومًا، لكنه صار منذ قرون الواجهة الرسمية لغضب البشر. واسمه ابرز الأسماء يطلق في الشتيمة ومعه اسم الكلب . توقفتُ أتأمل المفارقة: لماذا يختار الإنسان في كل بقاع العالم الحمار والكلب بالذات كي يقذف بهما الآخرين؟ لماذا تُستخدم أسماء أكثر الكائنات إخلاصًا وصبرًا كرموز للإهانة؟
ربما لأن الإنسان يشتم ما يعرفه أكثر مما يشتم ما يجهله. فالحمار والكلب كانا جزءًا من يومياته، من بيته، من طرقه وحقوله، فدخل اسماهما لغته اليومية، ثم انحدرا من الشراكة إلى الشتيمة. ومع ذلك، حين تجرّد الكلمات من ضجيجها، سنجد أن الحمار والكلب لا يستحقان هذا المصير اللغوي، بل يمتلكان من الامتيازات ما يجعل كثيرًا من البشر مدينين لهما بالتواضع والاحترام.
الحمار مثلًا ليس غبيًا كما يقال، بل هو حذر، وهذا الحذر يُترجم في أذهان الناس على أنه عناد. يقف في منتصف الطريق رافضًا التقدّم، لا لأنه لا يفهم، بل لأنه يرى ما لا يراه البشر، ويشم رائحة الخطر قبل أن يقترب. ولو كان غبيًا حقًا لما عاش آلاف السنين مرافقًا الإنسان عبر الصحارى والجوع والحقول القاسية. الحمار كائن يمتلك فضيلة الصبر بدرجة أسطورية، يتشارك قوته بلا شكوى، يحمل أثقال البشر بلا اعتراض، ويواصل المسير حتى عندما يتوقف الإنسان عن الإيمان بقدرته على التحمل.
ومع ذلك، تحوّلت هذه الفضائل إلى سخرية، وكأن الإنسان حين يعجز عن فهم قيمة الصبر يختار أن يهين صاحبه بدلًا من أن يتعلم منه. فالكائن الأكثر احتمالًا صار رمزًا للغباء، والكائن الأكثر صبرًا صار مرادفًا للبلادة، وهذه ليست إهانة للحمار، بل اعتراف غير مباشر بعجز الإنسان عن اللحاق بفضيلته. ومعرفة ماهيته .
أمّا الكلب، فهذا الكائن الذي يفهم ملامح الوجه ونبرة الصوت، ويتعلّق بصاحبه تعلّقًا عاطفيًا لا تحمله أيّ حيوانات أخرى، فقد تحمّل أيضًا نصيبه من التحريف اللغوي. الكلب الذي يفدي صاحبه بروحه، ويحرس، ويقاتل، ويغار، ويحزن، ويشتاق، ويعود حتى بعد الأذى، صار في بعض الثقافات شتيمة جاهزة. إنه تناقض صارخ: نستخدم اسم الحيوان الأكثر وفاءً لنسُبّ به الأكثر خيانة، ونسمي الغادر باسمه، رغم أن الكلب بعيد عن الخيانة كبعد السماء عن الطين. وفي حقيقته ينعكس الوفاء اكثر من أي مخلوق حتى الانسان .
لماذا إذًا يصرّ البشر على استخدام اسم الحمار رمزًا للغباء، واسم الكلب رمزًا للإهانة؟ لأن الإنسان غالبًا يسقط على الحيوانات ما بداخله؛ يرى البطء فيقول غباء، ويرى الحذر فيقول عناد، يرى الوفاء فيستصغره لأنه يذكره بما فقده، فيحاول تحجيم قيمته عبر تحويله إلى كلمة غضب.
الحمار يعكس بطئنا وضعفنا أمام الانتظار، لذلك نسخر منه. والكلب يعكس وفاءً نفتقده في علاقاتنا، لذلك نحقّره كي نخفف ثقل المقارنة. والحقيقة أن الحمار صبور أكثر مما يتحمّل كثير من الناس مكالمة هاتف قصيرة، وأن الكلب وفيّ أكثر من أصدقاء يغيّرون صداقتهم بتغير الفصول.
إنها مفارقة لغوية ونفسية وثقافية: الأمم التي تُهين أكثر الحيوانات صبرًا وأوفاها لا تفضح الحيوانات، بل تفضح نفسها. فحين يشتم أحدهم آخر قائلًا: "يا حمار!" ربما كان عليه أن يدرك أنه يمدحه دون أن يشعر، أو على الأقل يشتمه باسمٍ لا يحمل كل هذا الشرف.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع
.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت
.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه
.. تكريم الفنانة نورين حازم عمر في اليوم السابع بعد تألقها في ع
.. هل أفلام أيمن بهجت قمر فيها تجارب شخصية؟.. الشاعر هيقولنا كل