الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الجزائر جزائرية...هوية لاتقبل الوصاية ولا الاختزال
محفوظ بجاوي
2025 / 12 / 16مواضيع وابحاث سياسية
«الجزائر جزائرية» ليس شعارًا ظرفيًا ولا عبارة انفعالية، بل هو تعبير مكثف عن وعي تاريخي عميق وعن إرادة جماعية ترفض الوصاية والاختزال معًا. هو قول بسيط في شكله، لكنه ثقيل في معناه، لأنه يضع حدًا لكل محاولات إعادة تعريف الجزائر خارج ذاتها سواء باسم الحداثة الزائفة أو باسم الانتماءات المستوردة. فالجزائر لم تكن يومًا فرنسية حتى تُستعاد إلى فرنسا، ولم تكن مشرقيّة حتى تُعاد إليها، بل كانت دائمًا أرضًا لها تاريخها الخاص، وهويتها المتجذرة ومسارها الحضاري المستقل.
إن هذا الشعار يزعج كل دعاة الوصاية، قديمهم وحديثهم، لأنه يسحب منهم امتياز الكلام باسم الجزائر ويفضح نزعتهم إلى التعامل معها كفراغ ثقافي قابل للحشو. ومن يرفض «الجزائر جزائرية» لا يرفض عبارة لغوية، بل يرفض الجزائر كما هي في واقعها التاريخي والاجتماعي، ويرفض الاعتراف بتعدّدها الطبيعي وبجذورها الأمازيغية الضاربة في عمق الزمن وبانفتاحها اللاحق على محيطها العربي والإسلامي والمتوسطي دون ذوبان أو تبعية.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون اليوم أن الانزعاج من هذا الشعار يعيد إنتاج موقف قديم عرفته الجزائر في أواخر الحقبة الاستعمارية، حين كان الأقدام السوداء يرفضون فكرة «جزائر جزائرية» لأنهم أرادوها «جزائر فرنسية غربية»، تقصي السكان الأصليين وتحوّلهم إلى هامش في وطنهم. واليوم، بعد أكثر من ستة عقود يتكرر المنطق نفسه بأدوات لغوية مختلفة، حين يطالب مؤدلجون جدد بـ«جزائر عربية مشرقيّة» تُقصي، هي الأخرى، السكان الأصليين الأمازيغ، وتختزل الجزائر في امتداد ثقافي لا أصل له فيها.
قد تغيّرت اللغة وتبدّلت الأقنعة، لكن الجوهر بقي واحدًا: منطق الإقصاء، ورفض الجزائر كما هي، والسعي إلى إخضاعها لقالب إيديولوجي جاهز. فكما أن الاستعمار لم يتحمّل فكرة جزائر مستقلة بهويتها، لا يتحمّل بعض معاصريه فكرة جزائر لا تُختزل في عرق واحد أو ثقافة واحدة أو مرجعية واحدة.
إن «الجزائر جزائرية» لا تعني الانغلاق ولا التعصّب، ولا تنفي ما تفاعل مع هذه الأرض عبر التاريخ، لكنها تضع الأمور في نصابها الصحيح: لا انتماء يعلو على الأرض ولا سردية تلغي الأصل، ولا هوية لاحقة تبرّر محو الجذور. هي تأكيد على أن الانتماء العربي والإسلامي كان امتدادًا تاريخيًا، لا بديلًا عن هوية قائمة، ولا مبررًا لإقصاء مكوّن أساسي من مكوّنات الأمة.
ومن يرفض هذا الشعار اليوم، إنما يرفض الجزائر بتاريخها الحقيقي، وبشعبها بكل مكوّناته، ويرفض فكرة الوطن كما هو، لصالح وطن متخيَّل على مقاس الإيديولوجيا. غير أن الجزائر التي قاومت الإمبراطوريات وأسقطت مشاريع الهيمنة، لن تقبل اليوم أن تُعاد صياغتها أو تُستلب هويتها أو تُختزل في قراءة ضيقة. ستبقى جزائرية، لأن ذلك ليس خيارًا سياسيًا بل حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حزب الله أمام اختبار جديد.. ماذا يحدث في روما؟ | #ستوديو_وان
.. تصعيد عسكري في هرمز.. اشتباكات بين واشنطن وطهران
.. تفشي إيبولا يخرج عن مسار التتبع.. وتحذيرات من اتساع رقعة الع
.. الجيش الكويتي: الدفاعات الجوية تتصدى لهجمات طائرات مسيرة معا
.. واشنطن والرهان على الحصار البحري لزيادة الضغوط على طهران