الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه

خلف علي الخلف

2025 / 12 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


لم يكن النظام السوري البائد، مجرد سلطة أمنية عارية تستند إلى القمع وسجون تدمر وصيدنايا -مثالاً- والقتل المنهجي تحت التعذيب، واستخدام كل صنوف الأسلحة ضد الشعب؛ بل كان قبل ذلك وبعده نظاماً للرثاثة. رثاثة لا تتجلّى فقط في بنية السلطة البشرية والبنية التحتية المتهالكة أو الاقتصاد المنهوب، بل في الذوق العام الذي صاغه النظام لنفسه وللمجتمع قسراً: رثاثة في الشعارات، في الزي الرسمي، في الفضاء البصري، في لغة الاحتفال، وفي الصورة التي يصدرها عنه كرمز لـ "السلطة" و"القيادة التاريخية".

من يتذكر أو حتى يستعرض أرشيف الصور السورية منذ سبعينيات القرن الماضي يدرك أن النظام لم يكتف بإفقار الناس اقتصادياً وسياسياً، بل حاول إفقارهم جمالياً. لم يكن القبح خطأً عرضياً؛ كان جزءاً من الهوية الرسمية، من “فلسفة النظام” إن جاز التعبير. القبح هنا ليس مجرد غياب للمعنى وقصره، بل غياب للجمال.

من يبدأ بالشعارات يكتشف ذلك حين يرى تلك اللافتات القماشية المتدلية من الأبنية الحكومية: كلمات ضخمة، بلا روح، كُتبت بخط متخم، غير منسّق، يبدو كأنه صُمّم في دقائق. “قائدنا إلى الأبد”، “مسيرة التصحيح”، “أمة عربية واحدة”، كلها عبارات كانت تُعلّق فوق الشوارع أو تكتب على الحيطان كأنها تفرض ذوقها على الهواء ذاته. لم يكن الهدف إقناع "المواطن"، بل محاصرته وإرهاقه. إرهاقه بصرياً كما يُرهق سياسياً.

كذلك كان حال الزي الموحد في المدارس. ففي الابتدائية لون باهت يراوح بين لون الغبار ولون سماء باهتة كالحة، وفي الإعدادية والثانوية أرده لباساً عسكرياً، لكنه -مثل لباس الجيش- أقرب إلى ثياب السخرة منه إلى زي تعليمي. لم يشبه أزياء الطلبة في العالم، لا في وظيفته التربوية ولا في رمزيته. كان امتداداً لثقافة ترى الفرد كتلة يجب صهرها: لون واحد، شكل واحد، عقل واحد. ويذكر كل من عاش تلك الفترة أن الطلبة كانوا يحاولون إدخال تنويعات على هذا اللباس للخروج بشكل لائق إلا أن هذه المحاولات كانت تعتبر جريمة يعاقب عليها الخارجون عن الكتلة في الباحة أمام زملائهم كي يتعظوا ويكفوا عن محاولات تجميل لباسهم الرث.

حتى اليافطات؛ بدءاً من تلك التي تحمل شعار “طلائع البعث” و“اتحاد شبيبة الثورة” و "حزب البعث العربي الاشتراكي" تبدو اليوم مثل مخلفات حقبة صناعية مهجورة: خطوط بدائية، نسر مرسوم بإهمال، نجوم باهتة، ألوان متنافرة. ذائقة تصرخ بأن من صمّمها لم يفكر يوماً في معنى الجمال، أو ربما خشي الجمال لأنه لا ينسجم مع الخوف.

ثم نصل إلى سيارات الشرطة والأمن والجيش التي كانت وسيلة نقل الناس إلى حتفهم. مركبات الجيش التي تحمل طلاء أخضر كالح كُسِر لمعانه بعقود من الإهمال؛ إنه لون “وظيفي” لمصلحة سلطة لا تكترث للانطباع ولا تعرف أن الشكل يعكس الروح. حتى الخطوط الأخرى إن وجدت تبدو كأنها مسحوبة على عجل بفرشاة عادية. قبح يُراد له أن يفرض نفسه، فيتحول حضور الجيش في الشارع إلى تجسيد بصري للأحادية والركود والرثاثة.
أما سيارات الشرطة فهي ذات لون ترابي أبدي، كأنها خرجت من حفرة طينية في زمن منقرض ولم تُغسل منذ أن خُلق الغبار نفسه؛ طلاء مطفأ يذكر بجلد متقشّر، وخطوط باهتة تشي بأن يداً مرتعشة رسمتها على استعجال، فتسير في الشوارع ككتل ترابية متحركة لا تحمل من ملامح "الدولة" إلا ما تحمله المقابر من بهجة.
ولا ننسى سيارات "الجنائية" الحمراء المخطّطة بالأبيض من منتصفها، و"النجدة" الحمراء كاملة، تلك المركبات التي تبدو كأن مصمّمها استوحى ألوانها من علب الطماطم لا من جهاز دولة؛ حمرة فاقعة تُجرّح العين، وخط أبيض يشقّ الجسد كندبة غير ملتئمة، فتتحرك في الشوارع كألعاب بلاستيكية ضخمة تاهت في مدينة حقيقية، شاهدة على ذوق رسمي لا يعرف من جمالية اللون إلا ما يُذكّر بضجيج الأسواق الشعبية في بلاد مزدحمة.

حتى تصميم علب السكائر الحمراء الطويلة والقصيرة، وعلب الناعورة والشرق وأوغاريت، فناهك عن رداءة تبغها، علب تبدو كأنها بقايا مطابع السبعينيات؛ ألوان باهتة لا تلتقي، خطوط هندسية بلا معنى، نقوش تشبه رسومات طالب ابتدائي جُرّ إلى حصة الرسم بالقوة. ورق رقيق كجلد محروق، وطباعة غير متقنة تترك الحبر على الأصابع، كأن القبح فيها قرار مؤسسي لا ذوق عابر. علب تُشعرك أن من صمّمها لم يكن يفكر بمنتج يُباع، بل بواجب يُؤدّى على مضض داخل غرفة مظلمة بلا نافذة.

أما الاحتفالات الوطنية، فهي مدرسة قائمة بذاتها في الرثاثة: الأطفال الذين يُجبرون على رفع صور "قائد التشرينين" بحجم أكبر من أجسادهم، الطوابير البشرية التي تتحرك بنمط واحد كأنها نسخ مكررة، الخلفيات التي لا تنتمي لأي معيار فني. الميكروفونات المشوشة، الموسيقى العسكرية الرتيبة، الأعلام المصنوعة من قماش رخيص يتفتت تحت الشمس. هنا يصبح الاحتفال نفسه شكلاً من أشكال العقوبة: عقوبة جمالية تجبر الجميع على ترجع الرثاثة بصمت كجزء من تجرع السلطة.

لكن ذروة الرثاثة تظهر في صور المقبور ووريثه التي ملأت المدن. صور لا تُقنع وليس من وظيفتها الفن؛ فقط تُراقب. نُشرت بأحجام غير طبيعية، فوق الطرقات، داخل الصفوف، على جدران المستشفيات، وحتى في صالونات الحلاقة. صور مصممة بخلفيات باهتة، أو سماء اصطناعية تفتقر للعمق، أو شمس لا تشرق من مصدر واقعي. صور تُنتج السلطة لا الشخص، وتُظهر المقبور وعجيانه كمنتج بصري بلا سياق، بلا ظل، بلا حياة. صورة لا تمت إلى الواقع بصلة مثل علبة كرتونية رميت في حاويات القمامة لا تصلح لحمل المعنى.

الرثاثة هنا ليست ذوقاً سيئاً فحسب؛ إنها تقنية للهيمنة. النظام الذي يخشى الفن يخشى الخيال، ويخشى من فضاء بصري جميل لأن الجمال يوقظ الأسئلة. لذلك فضّل خلق عالم رمزي مبني على القبح والبشاعة الرثة. القبح يربك المخيلة، ويجعل الاعتياد ممكنًا: حين يعتاد "المواطن" على قبح الطريق والمبنى والشعار والصورة، يعتاد على قبح السلطة.

حتى العمارة لم تسلم: مباني حكومية مكعبة بألوان إسمنتية، نوافذ صغيرة كالسجون، ممرات طويلة ضيقة، مكاتب خشبية رديئة. كل شيء يدفع نحو التصاغر. العمارة هنا ليست مجرد شكل؛ هي خطاب: خطاب يبقي الفرد صغيراً في حضرة السلطة الكبيرة.
قد يبدو الأمر جماليات سطحية، لكنه ليس كذلك. الفيلسوفة حنة آرنت، وهي تكتب عن الأنظمة التوتاليتارية، تحدّثت عن “تفاهة الشر”: الشر الذي يتحقق عبر البيروقراطيات الرتيبة والرموز الفارغة. في سوريا، يمكن أن نتحدّث عن "رثاثة الشر": شر رثّ، لا يتقن حتى بناء طغيان ذي مظهر. نظام لم يستطع أن يكون فاشياً متقناً كإيطاليا موسوليني، ولا شيوعياً جمالياً كالاتحاد السوفيتي في لوحاته ودعاياته. كان نظاماً متواضع الطموح، فقيراً الخيال، يعتمد على القبح ليملأ الفراغ.

إن الرثاثة ليست نتاج صدفة؛ إنها بنية كاملة. حين يُفرض القبح رسمياً، يصبح الجمال فعل مقاومة وهذا ما كان يفعله الطلبة في المدارس الذين تُقمع محاولاتهم للخروج بمظهر لائق بشدة. المطر الذي يغسل اللافتات، شجرة تُصرّ على النمو وسط تعلق "البائد" بتصحير المجتمع والأرض، جدار يُعاد طلاؤه بألوان حيّة، أغنية مختلفة يغنيها الناس خارج إعلامه، لوحة صغيرة يرسمها طفل دون تعليمات؛ كل هذا يصبح عصياناً غير معلن.

وحين بدأ "البائد" بالانهيار، ظهرت حقيقة بسيطة: لم يكن قوياً، بل كان مُغطّى بطبقات كثيفة من القبح. وحين سقطت تلك الطبقات، بدا هشاً، فقيراً في روحه، تماماً كالشعارات التي صُمّمت في مكاتب حكومية قبل أكثر من خمسين عام.
هكذا يمكن أن نقول إن "البائد" لم يُهزم فقط سياسياً أو عسكرياً؛ كان مهزوماً جمالياً منذ اللحظة الأولى. لقد بنى عالماً رديئاً ثم عاش داخله. عالم يليق بوصف واحد: نظام الرثاثة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول اتصال بين ترامب ورئيس وزراء بريطانيا الجديد.. ماذا دار ب


.. ما وراء الخبر - كيف تنظر المقاومة إلى المرحلة الراهنة وما خي




.. -جبل الفأس-.. الهدف الإيراني الذي يتوعد ترمب بتدميره قريباً


.. الإيغاد ترصد تقاربا سياسيا في السودان وتدعو لتنسيق جهود الوس




.. الكويت تستدعي السفير الإيراني وتسلمه مذكرة احتجاج على استهدا