الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المقال الرابع : إسرائيل كوظيفة: لماذا ليست دولة مكتملة؟ تفكيك مفهوم “الدولة الوظيفية” في البنية الجيوسياسية الحديثة

يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)

2025 / 12 / 16
قضايا ثقافية


1. المدخل الإشكالي: متى تكون الدولة غاية ومتى تكون أداة؟
في النظرية السياسية الكلاسيكية، تُفهم الدولة بوصفها:
• تعبيرًا عن جماعة بشرية،
• ذات سيادة على إقليم،
• تمارس سلطة شرعية،
• وتملك مشروعًا تاريخيًا ذاتيًا (Hobbes, 1651 Weber, 1919).
لكن التاريخ الحديث أفرز نمطًا مختلفًا من الكيانات، يمكن تسميته:
الدولة الوظيفية (-function-al State)
أي الدولة التي لا تُنشأ لتحقيق مشروع مجتمعها، بل لأداء وظيفة استراتيجية داخل مشروع قوة كبرى.
وهنا يطرح السؤال الجوهري:
هل إسرائيل دولة بالمعنى التاريخي–السيادي، أم قاعدة متقدمة لوظيفة كبرى داخل النظام الغربي؟

2. مفهوم الدولة الوظيفية في النظرية الجيوسياسية
رغم أن المصطلح لا يُستخدم دائمًا حرفيًا، فإن مضمونه حاضر بقوة في أدبيات:
• الجيوبوليتيك الكلاسيكي،
• مدرسة الواقعية السياسية،
• نظرية “المناطق العازلة” (Buffer States)،
• والدول التابعة (Client States) (Wallerstein, 1974 Mearsheimer, 2001).
خصائص الدولة الوظيفية:
1. لا تنشأ من توازن داخلي عضوي.
2. تعتمد في وجودها على دعم خارجي دائم.
3. وظيفتها الأساسية:
• حماية مصالح قوة أعظم،
• أو منع تشكل قوة إقليمية مستقلة.
4. سيادتها:
• جزئية،
• مشروطة،
• قابلة للتعليق.
هذه المواصفات تنطبق على إسرائيل بدقة شبه كاملة.

3. إسرائيل ووظيفتها الأولى: القاعدة المتقدمة للغرب في الشرق الأوسط
منذ تأسيسها، أُوكل لإسرائيل دور مركزي يتمثل في:
• منع وحدة عربية فاعلة.
• ضرب أي مشروع نهضوي مستقل (مصر عبد الناصر، العراق، سوريا…).
• حماية المصالح الغربية في:
1. الطاقة،
2. الممرات البحرية،
3. التجارة العالمية.
وقد عبّر هنري كيسنجر بوضوح عن هذا المعنى حين اعتبر إسرائيل: “أعظم حاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن إغراقها” (Kissinger, quoted in Chomsky, 1999).
وهذا التعبير ليس مجازيًا، بل توصيف دقيق لوظيفة عسكرية–استراتيجية.

4. لماذا لا تتحقق السيادة الكاملة في الدولة الوظيفية؟
السيادة، في معناها العميق، تعني:
• التحكم المستقل في القرار السياسي،
• الاستقلال في الاقتصاد،
• حرية بناء التحالفات،
• امتلاك قرار الحرب والسلم.
لكن إسرائيل:
• لا تملك استقلالًا اقتصاديًا حقيقيًا دون الدعم الأمريكي.
• لا تستطيع شن حرب كبرى دون غطاء واشنطن.
• لا تقدر على توقيع تسوية استراتيجية كبرى بمعزل عن الرعاية الأمريكية.
أي أن:
سيادتها ليست ذاتية، بل “مفوّضة”.
وهنا الفارق الجوهري بين:
• الدولة التي تمتلك قرارها،
• والدولة التي تُدار ضمن شبكة ضمانات وجودية خارجية.

5. الجيش الذي يتجاوز مفهوم الدفاع
يُفترض في الجيش الوطني أن:
• يحمي حدود الدولة،
• ويخضع للسلطة السياسية المدنية.
أما الجيش الإسرائيلي، فقد تحوّل إلى:
• مركز الهوية القومية،
• العمود الفقري للسردية،
• والمحرّك الرئيسي للاقتصاد والتكنولوجيا.
وهكذا:
• الدولة لم تعد هي من تملك الجيش،
• بل الجيش هو من يمنح الدولة وظيفتها ومعناها.
وهو ما يجعل إسرائيل أقرب إلى:
مجتمع عسكري–استيطاني دائم التعبئة
لا دولة مدنية مستقرة بالمعنى التقليدي.

6. الدولة التي لا تعرف حدودها: علامة عدم الاكتمال البنيوي
من خصائص الدولة المكتملة:
• وجود حدود معترف بها.
• تعريف قانوني للإقليم.
لكن إسرائيل:
• لا تمتلك حدودًا نهائية حتى اليوم.
• تتوسع بالتدرج:
1. استيطان،
2. ضم زاحف،
3. واقع بالقوة.
وهو ما يكشف:
أن الكيان نفسه لا يعرف أين يبدأ وأين ينتهي، لأنه لا يتحرك بمنطق الدولة، بل بمنطق الوظيفة التوسعية المفتوحة.

7. المجتمع الاستيطاني ونقص التجذّر التاريخي
الدولة الطبيعية:
• تتكوّن من تراكم زمني طويل،
• ثقافة واحدة أو مركّبة،
• ذاكرة جمعية مشتركة.
أما المجتمع الإسرائيلي فهو:
• مركَّب من مهاجرين من عشرات القوميات.
• متباين إثنيًا ولغويًا وثقافيًا.
• لا يوحّده إلا:
1. الخوف،
2. والعدو،
3. والأسطورة.
وهذا ما يجعل التماسك فيه:
• أيديولوجيًا لا عضويًا،
• قسريًا لا طبيعيًا.

8. لماذا تحتاج إسرائيل دائمًا إلى حالة طوارئ؟
الدولة المستقرة:
• تسعى إلى السلم كأفق طبيعي.
أما الدولة الوظيفية:
• تعيش على منطق التهديد،
• لأن انتهاء الخطر يهدد وظيفتها نفسها.
ولهذا:
• إسرائيل تحتاج إلى عدو دائم.
• تحتاج إلى حرب دورية.
• تحتاج إلى تهديد وجودي مستمر.
ليس لأنها مهددة فعلًا فقط،
بل لأن:
السلم الكامل يعني بداية فقدان الوظيفة.

9. إسرائيل بين الدولة والإمبراطورية الصغرى
رغم صغر مساحتها، تمارس إسرائيل:
• نفوذًا استخباراتيًا عالميًا.
• تأثيرًا في الإعلام الغربي.
• دورًا في حروب بالوكالة.
• تدخلات إلكترونية وأمنية في دول متعددة.
وهذا يضعها في موقع:
امبراطورية وظيفية مصغّرة داخل امبراطورية أكبر.

10. الخلاصة البنيوية النهائية
يمكن تلخيص نتائج هذا التفكيك في النقاط التالية:
1. إسرائيل ليست دولة مكتملة بالمعنى التاريخي–السيادي.
2. نشأت لتؤدي:
• وظيفة استراتيجية داخل المشروع الغربي.
3. سيادتها:
• مشروطة بالدعم الخارجي.
4. جيشها:
• ليس أداة الدولة، بل عمود وجودها.
5. غياب الحدود النهائية:
• دليل على عدم اكتمال الهوية الإقليمية.
6. حاجتها الدائمة للصراع:
• علامة على هشاشة بنيتها كدولة طبيعية.
________________________________________
• قائمة المراجع
• Chomsky, N. (1999). Fateful Triangle: The United States, Israel, and the Palestinians. South End Press.
• Hobbes, T. (1651). Leviathan. Cambridge University Press.
• Kissinger, H. (1979). White House Years. Little, Brown and Company.
• Mearsheimer, J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. Norton.
• Wallerstein, I. (1974). The Modern World-System. Academic Press.
• Weber, M. (1919). Politics as a Vocation. Hackett.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في اليوم العالمي للإذاعة.. هل ما زلت تستمع إلى الراديو؟


.. هل ما يجري في الضفة مرتبط بالانتخابات الداخلية في إسرائيل أم




.. كيف يمكن تقييم التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية؟


.. محادثات وزير الخارجية السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية مع




.. باحث ومؤرخ فلسطيني للجزيرة: سنصلي على بوابات الأقصى ولو منعن