الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منحة المثقفين في ميزان التسليع: حين تُقاس الثقافة بفتات الموازنة

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 17
قضايا ثقافية


في كل عام، ومع ضجيج البيانات الحكومية عن “الدعم” و“الرعاية” و“الاهتمام بالطاقات الإبداعية”، تطفو إلى السطح منحة الصحفيين والفنانين والمثقفين، لا بوصفها اعترافًا بقيمة الثقافة، بل كدليل فاضح على حجم الاستخفاف بها. منحة هزيلة، تُصرف على استحياء، وتُقدَّم وكأنها مكرمة كبرى، بينما هي في حقيقتها إهانة مقنَّعة لوعي بلدٍ صنع الحضارة بالكلمة والريشة والنغمة. إهانة حين تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يطالبون هؤلاء المثقفين بأطلاقها وكأنها منحة حقيقية تساهم في رفع مستواهم المعيشي .
السؤال الذي لا تريد الحكومة سماعه: هل قيمة المثقف العراقي، بكل ما حمله من وعي واحتجاج وتنوير وتضحيات، تُختزل بمبلغ لا يسد رمق شهر، ولا يقي من عوز، ولا يحفظ كرامة؟ وهل وزن الثقافة العراقية، بتاريخها الممتد من ألواح الطين إلى القصيدة الحديثة، يُقاس بهذا الرقم التافه الذي لا يساوي ما يُنفق في وليمة سياسية أو مؤتمر بروتوكولي؟
ما يحدث ليس دعمًا للثقافة، بل تسليع فجّ لها. تُحوَّل الثقافة إلى بند ثانوي في الموازنة، وإلى عبء يجب التخلص منه بأقل الخسائر، وكأن المثقف سلعة موسمية تُشترى مرة في السنة لإسكات الضمير العام، لا عقلًا حيًّا يجب الاستثمار فيه. هكذا يُختزل الكاتب إلى رقم، والشاعر إلى توقيع، والفنان إلى ملف، والصحفي إلى اسم في قائمة انتظار، بينما تُفتح خزائن الدولة على مصاريعها لقطاعات لا تنتج سوى الضجيج والفساد.
الأكثر قسوة في المشهد أن هذه المنحة تُمنَح بنبرة منٍّ لا تخلو من إذلال. إجراءات معقّدة، لجان، معاملات، ووعود مؤجلة، وكأن المثقف متهم يجب أن يثبت استحقاقه للفتات. في بلد تُصرف فيه المليارات بلا مساءلة، يُطالب المثقف بتبرير حاجته إلى مبلغ لا يساوي عيش كريم في شهر وهي منحة سنوية لـ12 شهر .
إنها رسالة سياسية واضحة: الثقافة ليست أولوية. الكلمة ليست قوة. الوعي ليس استثمارًا. وهذا أخطر ما في الأمر. فالدول التي تحترم نفسها لا تدعم المثقفين بالصدقات، بل تضعهم في صلب مشروعها الوطني. تدرك أن الصحفي يحمي الحقيقة، وأن الفنان يصون الذائقة، وأن الكاتب يبني الوعي، وأن الشاعر يحرس الروح. أما حين تُهان هذه الفئات، فذلك إعلان صريح عن خوف السلطة من الوعي لا حرصها عليه.
المفارقة الفاجعة أن المثقف العراقي، رغم كل هذا الإهمال، ظل واقفًا. كتب تحت القصف، وغنّى في العتمة، وصوّر الجمال وسط الخراب، ودافع عن الناس حين صمتت المؤسسات. ومع ذلك، تُكافئه الدولة بمنحة لا تحفظ كرامة ولا تؤمّن حياة. أي ميزان هذا الذي تُقاس فيه الثقافة بهذا البؤس؟ وأي دولة تلك التي تظن أن الإبداع يُشترى بسعر رخيص؟
إن منحة بهذه القيمة ليست دعمًا، بل إدانة. إدانة لسياسة ترى في المثقف عبئًا لا شريكًا، وفي الثقافة ترفًا لا ضرورة. وإذا كانت الحكومة جادّة في حديثها عن بناء دولة، فلتبدأ من هنا: من إعادة الاعتبار للمثقف، لا بمنحه صدقة سنوية، بل بضمان عيش كريم، وتشريع عادل، ورؤية تعتبر الثقافة أمنًا وطنيًا لا بندًا هامشيًا.
أما الاستمرار بهذا النهج، فهو اعتراف غير معلن بأن الدولة اختارت أن تكون بلا ذاكرة، بلا وعي، وبلا روح. وحينها، لن تكون قيمة المنحة هي الفضيحة الوحيدة، بل قيمة الدولة نفسها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران تتمسك بخطوطها الحمراء النووية وسط مفاوضات متعثرة مع وا


.. فيضانات المغرب: مقتل أربعة أشخاص جراء أمطار غزيرة غير مسبوقة




.. حاكم كاليفورنيا.. خصم جديد يؤرق ترمب ويهدد الجمهوريين


.. إيران تجهز أقوى أسلحتها للرد على الضربة الأميركية المحتملة




.. واشنطن لـ-طهران-: عليكم تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات