الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإنسان بعد انتهاء صلاحيته: قراءة في عنف التصنيف
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 17
كتابات ساخرة
تقول النكتة الجديدة – المنسوبة إلى منظمة الصحة العالمية – إن مواليد الثمانينات صاروا من كبار السن. لا بيان رسمي، لا مؤتمر صحفي، مجرد جملة طائشة قُذفت في فضاء السوشيال ميديا، فالتقطها الناس بقلق وضحك في آن واحد. وإذا كان هذا صحيحًا، فماذا نحن أبناء الستينات؟ لا بد أننا ديناصورات تم شطب أسمائنا من السجل الإنساني، كائنات أثرية يُستحسن تصويرها قبل أن تنقرض، أو وضعها في متحف مع لافتة: «يرجى عدم الإزعاج… هذا كائن كان يحلم».
الفكرة وحدها كافية لتصيب المرء بصداع وجودي. كيف انتقلنا من “جيل المستقبل” إلى “جيل يحتاج مساعدة للجلوس” بهذه السرعة؟ كيف صار العمر شهادة مرضية، وصارت السنوات تهمة، وصار التقويم أداة قمع ناعمة؟ في زمننا هذا، لا تحتاج إلى عصا لتُضرب، يكفيك رقم يُلصق على جبينك.
مواليد الثمانينات – الذين ما زالوا يتذكرون دفاتر المدرسة ذات الرائحة الحبرية، ورسائل الحب المكتوبة بخط اليد – يُقال لهم الآن: تفضلوا إلى صف كبار السن. تخيل المشهد: شاب في منتصف الأربعينيات، يهرول خلف عمله، يسدد أقساطه، يربي أبناءه، ثم تأتيه صفعة تصنيفية باردة: “أنت كبير سن”. لا معاش، لا رعاية، فقط لقب ثقيل يوضع في الجيب مثل حجر.
أما نحن، مواليد الستينات، فلا ندخل في التصنيف أصلًا. نحن خارج الجدول، خارج الاهتمام، خارج الخريطة. نحن جيل عاش الانقلابات، والحروب، ونقص الخبز، وزيادة الشعارات. جيل تعلّم الحساب على الورق، والسياسة من الشارع، والحكمة من الخسارات. جيل لم يتقاعد من التعب، لكنه أُجبر على التقاعد من الحلم.
نحن الديناصورات فعلًا، لكن ليس كما يتخيلون. ديناصورات واعية، تحفظ تاريخ الأرض قبل أن تتحول إلى شاشة لمس. ديناصورات تتذكر زمنًا كانت فيه الكلمة وعدًا، والصداقة التزامًا، والخلاف وجهًا لوجه لا تعليقًا هاربًا. ديناصورات تعرف أن العمر ليس عدد الشموع، بل عدد المرات التي نهضت فيها بعد السقوط.
السخرية أن العالم يحتفل بالشباب بوصفه حالة بيولوجية، لا حالة فكرية. شابٌ بلا تجربة يُمنح المنصات، وشيخٌ مليء بالحكايات يُطلب منه الصمت. تُدار الدنيا بمنطق السرعة لا الحكمة، وبمنطق “الترند” لا المعنى. من لا يواكب يُرمى، ومن يتأمل يُتَّهم بالبطء.
ولو صدق هذا التصنيف العبثي، فعلينا أن نطالب بحقوقنا ككائنات مهددة بالانقراض. نطالب بمحميات فكرية، وبممرات آمنة لعبور الذاكرة، وبقوانين تمنع الصيد الجائر للخبرة. نطالب أن يُسمح لنا بسرد قصصنا دون أن يُقال لنا: “اختصر… الوقت لا يسمح”.
المضحك المبكي أن الإنسان صار يُقاس بعمره لا بما يضيفه. كأن السنوات وحدها هي الجريمة، وكأن النجاة من الزمن خطيئة. في هذا العالم، تُكافأ الخفة وتُعاقَب الجذور. من لا يغيّر جلده كل موسم يُتهم بالتحجر، ومن يثبت يُوصف بأنه لا يفهم العصر.
نحن لا نخاف من الشيخوخة، نخاف من التفاهة التي تريد أن تحكم باسم الشباب. لا نخاف من التجاعيد، نخاف من العقول الملساء التي لم تُجرَّب. وإذا كنا ديناصورات، فنحن تلك التي رفضت أن تتحول إلى لعبة بلا ذاكرة.
أما مواليد الثمانينات، فلا تحزنوا. أن تُصنَّفوا كبار سن مبكرًا يعني أنكم ما زلتم تملكون ما يخيف هذا العصر: ذاكرة، وقياسًا، ومقارنة. والعصر لا يحب من يقارنه، لأنه يفضح هشاشته.
وفي النهاية، سواء صنّفتنا منظمة ما أو لم تصنّف، الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: العالم لا يشيخ بأعمارنا، بل يشيخ حين يتخلى عن حكمته. وإذا كان لا بد من انقراض، فليكن انقراض التفاهة… أما نحن، فسنظل نمشي ببطء، لكن بثقل المعنى.لو تمادت الصحة العالمية فستضع مواليد 2000 ضمن كبار السن قريبا .. انتظرونا .
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صناعة السينما من خلال الذكاء الاصطناعي.. هل هي إعلان بداية ح
.. خليل حنون: الذكاء الاصطناعي يؤثر في صناعة السينما بأكملها في
.. سمبوزيوم أسوان الدولى لفن النحت فنانين من مصر ودول العالم يص
.. مصطفى شعبان يلعب دور فاقد الذاكرة في -درش-..هل هيكون فيه سجع
.. من واقع أهل غزة بالفعل.. الفنان كامل الباشا يكشف كواليس مسلس