الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين الاستقرار المحاسبي والاختلال الاقتصادي: قراءة رقمية في تصريح رئيس الوزراء

سهام يوسف علي

2025 / 12 / 17
الادارة و الاقتصاد


جاء تصريح رئيس الوزراء حول “استقرار الوضع المالي” محمّلًا بأرقام صحيحة من حيث الحساب، لكنه يظل ناقصًا من حيث التحليل الاقتصادي الشامل. فالمحاسبة تُجيب عن سؤال: كم لدينا؟
بينما الاقتصاد يُجيب عن سؤال أخطر: هل ما لدينا قابل للاستمرار؟
والفرق بين السؤالين هو الفارق بين إدارة الخزينة وبناء الدولة.
أولًا: ما هو صحيح  ولكن في حدوده الضيقة
لا يمكن إنكار أن بعض المؤشرات التي وردت في التصريح صحيحة حسابيًا: بلوغ الاحتياطي الأجنبي نحو 108 مليارات دولار رقم مريح اسميًا.حجم الدين الخارجي منخفض نسبيًا مقارنة بعدد من دول المنطقة، انخفاض معدل التضخم حسابيًا، تقليص الفجوة في سعر الصرف عبر أدوات نقدية وإدارية.
هذه مؤشرات استقرار نقدي قصير الأجل، لكنها لا تكفي للحكم على تعافي الاقتصاد، لأنها لا تُجيب عن سؤال الاستدامة.
ثانيًا: ما الذي لم يُقَل… والأرقام تكشفه

1. احتياطي النقد الأجنبي  ليس موردًا ماليًا للموازنة، ولا يُستخدم للرواتب أو المشاريع، بل هو أداة دفاع عن العملة وتمويل الاستيراد.، ارتفاعه مرتبط أساسًا: بأسعار النفط، لا بارتفاع الإنتاجية أو تنويع الاقتصاد.
أي أن الاحتياطي لا يُنقذ عجزًا ماليًا، ولا يُغني عن الاقتراض، وأي مساس به للإنفاق يعني نقل الأزمة من المالية العامة إلى سعر الصرف.


2. العجز البنيوي: الأرقام لا تُخفيه
حتى نهاية أيلول 2025، تُظهر بيانات المالية العامة أن: الإنفاق التشغيلي (رواتب، تقاعد، دعم، تشغيل) يستحوذ على ما يقارب 75–80% من إجمالي الإنفاق العام. الإنفاق الاستثماري هو أول ما يُضغط عند أي أزمة سيولة.
هذا يعني أن الدولة: تصرف لتُبقي نفسها قائمة، لا تحقق نموًا.


3. الرواتب: كتلة تلتهم الموازنة تقديرات الموازنات الأخيرة تشير إلى أن: إجمالي الرواتب والأجور والتقاعد يقترب من 90 تريليون دينار سنويًا (نحو 65 مليار دولار حسب سعر الصرف).
هذا الإنفاق: غير مرتبط بالإنتاج، غير قابل للتخفيض سياسيًا، ويجعل الموازنة شديدة الجمود.
أي أن أي صدمة نفطية مستقبلية ستُترجم فورًا إلى عجز أو اقتراض.


4. خدمة الدين: رقم صامت لكنه خطيرحتى نهاية أيلول 2025، بلغت خدمة الدين العام  تجاوزت 4.3 ترليون  دينار عراقي ،هذا الرقم: لا يموّل مدرسة، لا يخلق وظيفة،لا يُصلح شبكة كهرباء.
هو كلفة تراكم العجز السابق، ويُموَّل من نفس الإيرادات التي يُفترض أن تخدم المواطن ، ومع أي اقتراض جديد، سترتفع هذه الخدمة تلقائيًا.


5. الاقتراض: اعتراف مؤجَّل لا حل
حين يُقال إن الحكومة المقبلة “ستضطر إلى الاقتراض”، فهذا يعني رقميًا ،العجز غير قابل للمعالجة بالإيرادات الحالية،الرواتب والإنفاق التشغيلي غير قابلين للمس، الإصلاح الهيكلي مُؤجَّل، الاقتراض هنا أداة إدارة سيولة لا سياسة اقتصادية.


6. التضخم: الانخفاض الذي لا يُطمئن
انخفاض التضخم إلى نحو 2.7% لا يعني تحسن المعيشة، بل تشير بيانات الأسعار  الى تضخم سالب ،و في هذه الحالة لا يعد إنجازًا، بل علامة ركود: الأسواق شبه متوقفة، والمواطن يستهلك أقل ما يمكن، والاقتصاد ينتظر أي دفعة حقيقية للنشاط.
الإنجاز الحقيقي سيكون عندما تتحسن القدرة الشرائية، وتنبض الأسواق بالحياة، وتتوسع فرص العمل، وليس مجرد انخفاض الأرقام في البيان.
في التحليل الاقتصادي ، تضخم منخفض و  بطالة مرتفعة تساوي  ركود، لا تعافٍ.
الخلاصة الرقمية:
ما نراه اليوم هو احتياطي قوي على الورق، لكنه غير قابل للإنفاق الفعلي. الموازنة تهيمن عليها النفقات التشغيلية، والرواتب تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات. خدمة الدين العام تتضخم بصمت، بينما يُقدّم الاقتراض كحل مؤقت وسهل. هذا ما نسميه استقرار خزينة، لكنه ليس استقرار اقتصاد.
العراق اليوم قوي نقديًا بالأرقام، لكنه ضعيف اقتصاديًا بالهيكل، وهش اجتماعيًا بالنتائج. والخطر الحقيقي لا يكمن في نفاد الاحتياطي، بل في الاطمئنان إلى أرقام صحيحة تُقرأ خارج سياقها. فالاقتصاد لا ينهار حين تنتهي الأموال، بل حين نؤجل القرار ونُسمي ذلك استقرارًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة


.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على




.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،


.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب




.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف