الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا يخافون من شعار : الجزائر جزائرية ؟
محفوظ بجاوي
2025 / 12 / 18مواضيع وابحاث سياسية
لأن هذا الشعار، في بساطته الظاهرة، يحمل من
الوضوح ما لا تحتمله العقول التي تعوّدت العيش على الالتباس، ولا تحتمله النفوس التي بنت وعيها على الهويات المستعارة. فالجزائر حين تُقال جزائرية، تُغلق أبواب التأويل، وتُسقط كل محاولات الإلحاق، وتُنهي سرديات صُنعت خارج الأرض أكثر مما وُلدت فيها.
يريدون للجزائر أن تكون فينيقية حين يخدم ذلك أطروحاتهم، أو كنعانية حين يناسب خيالهم، أو عربية خالصة تُختزل في زمن واحد، أو تركية عابرة تُضخّم مرحلة من التاريخ، بل لا يتردد بعضهم في استدعاء الرومانية أو الفرنسية، كأن هذه الأرض لم تكن موجودة قبل مرور الغزاة. كل هذه التسميات مقبولة عندهم، إلا أن تكون الجزائر جزائرية، لأن في ذلك اعترافًا صريحًا بأصالة لا يمكن توجيهها ولا ترويضها.
التاريخ، خلافًا لما يعتقدون، لا يُكتب بالرغبة ولا يُعاد تشكيله بالإنكار، بل يُثبت نفسه بالأثر وبالاستمرارية. قبور ملوك الجزائر وأبطالها قائمة في ترابها منذ آلاف السنين، لا تطلب نسبًا مستوردًا ولا شهادة من أحد. جبالها، من الأوراس إلى الهقار، لم تكن يومًا فراغًا جغرافيًا ينتظر من يملؤه، بل كانت شاهدًا صلبًا على وجود بشري متجذّر، ترك آثاره في الحجر قبل أن يعرف العالم معنى الدولة الحديثة.
وصخور تاسيلي، المنقوشة بحروف هذه الأرض ورموزها، ليست زخرفة سياحية ولا مادة للإنكار الانتقائي، بل سجلًّا مفتوحًا يشهد أن هذه الهوية سبقت كثيرًا من اللغات والثقافات التي يدّعي البعض أسبقيتها. وكما قال الحكماء قديمًا: الأرض التي تنطق حجارتها لا يمكن تزوير تاريخها.
أما حروب الجزائر ودفاعها المستمر عن أرضها، فليست أساطير محلية تُروى بدافع العاطفة، بل وقائع موثّقة في كتب الغزاة أنفسهم، الذين دخلوا وهم يظنونها سهلة، وخرجوا وهم يعترفون بصعوبة إخضاعها. فالجزائر لم تكن يومًا أرضًا بلا ذاكرة، ولا شعبًا بلا مقاومة.
وعندما ننتقل إلى الثقافة الحيّة للشعب، نجد الدليل الأوضح على استمرارية الهوية؛ في العادات، في الاحتفالات، في الفلكلور، في القصص الشعبية، وفي الأساطير التي تحمل حكمة الجماعة أكثر مما تحمل خيالها. من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، قد تختلف الألسن وتتنوع التعبيرات، لكن الجوهر واحد، والروح واحدة، والذاكرة واحدة.
لهذا، فإن القول إن الجزائر جزائرية ليس شعارًا إقصائيًا ولا رفضًا للآخر، ولا إنكارًا للتعدد، بل هو تثبيت للحقيقة قبل كل شيء. نحن نرحب بكل من يختار الصدق مع التاريخ، ويحترم هذه الأرض كما هي، لا كما يريدها أن تكون. أما من يرفض الواقع ويصرّ على الهويات المستوردة، فمشكلته ليست مع الجزائر، بل مع الحقيقة ذاتها.
فالجزائر ليست مجرد كلمات تُقال، ولا مفاهيم تُتداول بل تاريخ متراكم، وثقافة حيّة، وهوية صمدت لأنها لم تُصنع في المكاتب، ولم تُفرض من الخارج. ومن يخاف من شعار: الجزائر جزائرية، فليعلم أن خوفه الحقيقي ليس من الشعار، بل من الحقيقة حين تقف أمامه كاملة بلا أقنعة ولا وسطاء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل ستبرم عقود الغواصات الفرنسية خلال زيارة لوكرونو للمغرب؟ |
.. إيران والولايات المتحدة: مواجهة مفتوحة ورسائل بالنار
.. حرية الصحافة.. -الأمن القومي- ضد الإعلام؟ • فرانس 24
.. الجيش الأميركي يعلن موجة جديدة من الضربات على إيران | #ستودي
.. تفوق الأداء الإنجليزي وحسابات المواجهة التاريخية أمام الأرجن