الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
غاز السياسة: صفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2025 / 12 / 18
السياسة والعلاقات الدولية
ما إن أعلنت إسرائيل أمس عن موافقتها على إبرام صفقة غاز مع مصر، حتى انفجرت الأسئلة قبل الأرقام، والشكوك قبل التفاصيل. في منطقتنا، لا ينظر إلى الغاز بوصفه مادة طاقة فحسب، بل باعتباره أداة نفوذ، ومفتاح قرار، وأحيانًا وسيلة ضغط مغلفة بعقود طويلة الأمد.
وحين يكون الطرف الإسرائيلي حاضرًا، تتضاعف الريبة تلقائيًا، ويقرأ أي اتفاق معه بعين الشك، لا سيما في ظل حرب غزة وما خلفته من غضب شعبي عربي عارم، واتهامات لمصر بالتخاذل أو التهاون.
لكن هل صفقة الغاز هذه انتصار إسرائيلي خالص؟ أم مقامرة مصرية محسوبة؟ أم أن الأمر أعقد من ثنائية "مستفيد وخاسر"؟
تاريخيًا، لم تكن مصر دولة فقيرة بالغاز. في عهد مبارك، ثم خلال فترة محمد مرسي، كانت القاهرة تصدر الغاز إلى إسرائيل، وسط غضب شعبي واسع، بلغ حد تفجير خط العريش–عسقلان مرارًا بعد عام 2011. التحول من دولة مصدرة إلى دولة مستوردة لم يكن نتاج نفاد المورد، بل نتيجة سوء إدارته، ارتفاع استهلاك محلي مدعوم، وتراجع استثمارات الطاقة في سنوات الاضطراب السياسي. وحين تم اكتشاف حقل "ظهر" العملاق، احتاج الأمر سنوات لسد الفجوة، فكان الاستيراد حلًا مؤقتًا تحول لاحقًا إلى استراتيجية أوسع.
من هنا، لا تنظر مصر إلى الغاز الإسرائيلي على أنه بديل اضطراري للاستهلاك المحلي فقط، بل كمادة خام توظّفها ضمن طموح أكبر: التحول إلى مركز إقليمي لتسييل وتصدير الغاز. تمتلك مصر ما لا تملكه إسرائيل ولا قبرص: محطتي إسالة عاملتين في إدكو ودمياط، بنيتا منذ سنوات وبقيتا تعملان دون طاقتهما القصوى. الغاز الإسرائيلي، المنقول بأنابيب أقل كلفة من الغاز المسال، يملأ هذه المحطات، ليُعاد تصديره إلى أوروبا بأسعار أعلى، خاصة في ظل بحث القارة العجوز عن بدائل للغاز الروسي.
من هذا المنظور، لا تبدو مصر زبونًا تابعًا بقدر ما تبدو وسيطًا لا غنى عنه. إسرائيل تملك الغاز، لكنها لا تملك طريقًا سريعًا ومجديًا إلى أوروبا من دون البنية التحتية المصرية. وأوروبا تريد الغاز، لكنها لا تملك ترف انتظار مشاريع أنابيب جديدة قد تستغرق عقدًا من الزمن. هكذا تتحول مصر إلى عقدة عبور، وتتحول الأنابيب إلى شبكة مصالح متبادلة.
ومع ذلك، يبقى السؤال السيادي حاضرًا بإلحاح: هل يضع هذا الاعتماد مصر في موقع ضعف؟ نظريًا، نعم. أي اعتماد على مصدر خارجي لمادة استراتيجية يحمل في طياته عنصر ضغط محتمل. إسرائيل، تقنيًا، قادرة على تقليص الإمدادات أو وقفها. لكن السياسة لا تدار بالنظريات وحدها. استخدام الغاز كسلاح ضغط سيكون مكلفًا لإسرائيل بقدر ما هو مكلف لمصر: ضربة لمصداقية إسرائيل كمورد، توتر مع أوروبا والولايات المتحدة، وتسريع مصري قسري للبحث عن بدائل.
الأكثر دلالة هو أن إسرائيل نفسها لم تهرول نحو الصفقة بحماسة مطلقة. ترددها، ثم موافقتها تحت ضغط أمريكي في عهد ترامب، يكشف أن الاتفاق ليس ثمرة تفوق إسرائيلي مطلق، بل جزء من هندسة إقليمية أوسع، تسعى فيها واشنطن إلى إعادة رسم خريطة الطاقة وتقليص نفوذ منافسين آخرين.
يبقى البعد السياسي الأكثر حساسية: توقيت الصفقة في ظل حرب غزة. هنا تتقاطع الطاقة بالأخلاق، والاقتصاد بالوجدان الشعبي. كثيرون يرون في أي تعاون مع إسرائيل، مهما كان تقنيًا، تبييضًا لسلوكها العسكري، أو مكافأة مجانية لها. هذا الشعور مفهوم، لكنه لا يغير حقيقة أن الدول، حتى في أكثر اللحظات توترًا، تدير مصالحها بعقل بارد، لا بشعارات ساخنة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الصفقة نفسها، بل في أن تتحول من أداة مرحلية إلى اعتماد طويل الأمد، دون تنويع حقيقي للمصادر ودون سقف زمني واضح. عندها فقط، يمكن للغاز أن يتحول من فرصة اقتصادية إلى قيد سياسي.
في النهاية، ليست صفقة الغاز قصة أبيض وأسود. هي مساحة رمادية واسعة، تتداخل فيها البراغماتية المصرية مع الطموح الإسرائيلي، والضغط الأمريكي مع الحاجة الأوروبية، وغضب الشارع مع حسابات الدولة. والسؤال الذي يجب أن يطرح ليس: من انتصر اليوم؟ بل: من سيحسن إدارة الكلفة غدًا؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصريحات غير مسبوقة من ترامب وعون.. ماذا ينتظر لبنان؟ | #الظه
.. شبكات | صراصير لإنقاذ البشر.. ما قصة -السايبورغ- الياباني؟
.. موازين | السودان.. صراع الجغرافيا والنفوذ وخطر التقسيم
.. الهجرة العكسية تتصاعد في إسرائيل وسط تدهور أمني وأزمة معيشية
.. أزمة مالية خانقة تهدد الجاهزية العسكرية للجيش الأمريكي بسبب