الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما بين زين العابدين بن الحسين وهشام بن عبد الملك: قراءة فلسفية في السلطة والمعنى.

رمزي عطية مزهر

2025 / 12 / 19
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ما بين زين العابدين بن الحسين وهشام بن عبد الملك: قراءة فلسفية في السلطة والمعنى شخصين فقط في سجل التاريخ، بل صورتان متقابلتان لمعنى الوجود السياسي في الإسلام:
أحدهما يمثل السلطة حين تنفصل عن المعنى، والآخر يجسد المعنى حين يتعالى على السلطة.

زين العابدين بن الحسين وُلد من رماد كربلاء، من لحظة انكشاف العالم على حقيقته العارية: السيف ينتصر، لكن الحق لا يموت. بعد أن خسر كل شيء يمكن أن يملكه إنسان في لحظة واحدة—الأب، والإخوة، والأمان، واليقين الدنيوي—اختار ألا ينافس القتلة على عرشهم، بل نافسهم على الإنسان ذاته. أدرك أن السلطة التي تُنتزع بالقوة لا تعيد القيم، وأن الثورة التي لا تغيّر الوعي تعيد إنتاج الطغيان.

في فلسفة زين العابدين، الفعل الأسمى ليس السيطرة بل التزكية. لم يخاطب الناس من موقع الحاكم، بل من عمق الإنسان المكسور الذي يرى نفسه مسؤولا عن ترميم الضمير الجمعي. كانت أدعيته لغة وجودية: اعتراف بالضعف، ووعي بالحدود، وطلب للعدل بوصفه حاجة روحية لا مطلبا سياسيا فقط. هنا تتحول العبادة من طقس إلى موقف، ومن عزلة إلى مقاومة صامتة.

أما هشام بن عبد الملك، فكان ابنا لمنطق الدولة لا لمنطق الرسالة. لم يكن طاغية ساذجا، بل حاكما عقلانيا بمعايير زمانه: ضبط، إدارة، حساب، خوف دائم من التفكك. رأى العالم من أعلى الهرم، حيث الإنسان رقم، والاستقرار قيمة مطلقة، والاختلاف تهديد وجودي. في فلسفته غير المعلنة، الغاية هي بقاء الدولة، حتى لو تآكلت القيم التي قامت عليها.

هشام يمثل السلطة بوصفها خوفا منظما؛ خوفا من السقوط، من السؤال، من الحقيقة حين تخرج من أفواه غير مرخصة. لذلك لم يحتمل زين العابدين، لا لأنه خطر عسكري، بل لأنه خطر رمزي. فوجود إنسان لا ينازعك الحكم لكنه ينازعك المعنى هو أقسى أنواع المعارضة.

اللقاء بينهما—ولو رمزيا—هو لحظة تصادم بين زمنين:
زمن يُقاس بالقوة والعمران والمال، وزمن يُقاس بالأثر والبقاء.
هشام يملك الجند، وزين العابدين يملك الاعتراف الحر في قلوب الناس.
والتاريخ، في منطقه العميق، لا يحفظ من يملك اللحظة، بل من يمنحها معنى.

الفلسفة هنا تقول:
السلطة تستطيع أن تحكم الجسد، لكنها تعجز عن حكم الضمير.
والدولة تستطيع أن تؤجل السقوط، لكنها لا تستطيع شراء الخلود.

زين العابدين لم يؤسس دولة، لكنه أسس معيارا؛ وكل سلطة جاءت بعده تُقاس به وإن لم تعترف.
أما هشام، فقد حافظ على الدولة، لكنه ورّث فراغا أخلاقيا سرّع نهايتها.

وهكذا، ما بين زين العابدين بن الحسين وهشام بن عبد الملك، لا يدور الصراع حول من انتصر، بل حول من بقي.
ومن يبقى، في فلسفة التاريخ، هو من انتصر دون أن يحكم، وغيّر دون أن يأمر، وملك القلوب لأنه لم يطلبها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟


.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب




.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي


.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا




.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟