الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عودة الشخص الآخر… عودة الحياة بطعم العتاب
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 19
الادب والفن
ليست عودة الشخص الآخر حدثًا عابرًا في روزنامة الذاكرة، بل زلزالًا هادئًا يعيد ترتيب الداخل من دون ضجيج. إنها تلك اللحظة التي لا تطرق فيها العودة الباب، بل تدخل مباشرة إلى أعمق نقطة في الروح، وتجلس هناك كما لو أنها لم تغادر يومًا. يعود، فتعود الحياة متأخرة خطوة، مترددة، كمن يخشى أن يُساء استقباله بعد غياب طويل.
العودة لا تشبه اللقاء الأول، فالأول كان مغمورًا بالدهشة والبراءة، أما هذه فمثقلة بالحسابات، مشبعة بالأسئلة، محاطة بأسوار من الصمت المتحفّظ. يعود الشخص الآخر وقد تغيّر اسمه في الداخل؛ لم يعد مجرد شخص، صار زمنًا كاملًا كان مفقودًا، وصار احتمالًا مؤجلًا، وصار جرحًا تعلّم كيف يتخفّى. وكان ذاكرة مثقوبة . ومع ذلك، يكفي حضوره كي تستعيد الحياة نبضها القديم، ذلك النبض الذي كنا نظنه وهمًا أو ذكرى مُبالغًا في جمالها. ولكن ظل النبض يحتفظ بمسيره الهاديء .
تعود الحياة لا لأن الأشياء تحسّنت، بل لأن المعنى عاد. المعنى الذي كان غائبًا خلف أيام متشابهة، خلف ضحكات بلا صدى، خلف محاولات فاشلة لإقناع النفس بأن الغياب يمكن التعايش معه. حين يعود، نكتشف أن الحياة كانت تمشي على قدم واحدة، وأن كل ما فعلناه كان تعويضًا ذكيًا عن نقص لا يُعوّض. نبتسم، نعم، لكن الابتسامة هذه المرة ليست بريئة؛ إنها ابتسامة من يعرف الثمن، ومن يتذكر الفاتورة التي لم تُدفع يوم الرحيل.
أما العتاب، فهو الطعم الحقيقي لهذه العودة. ليس عتابًا صاخبًا ولا خطبًا طويلة، بل عتاب يشبه الملح: قليل منه يكشف النكهة، وكثيره يفسد كل شيء. عتاب يُقال بالعين أكثر مما يُقال بالكلام، ويُكتب في المسافات الصغيرة بين الجمل. هو سؤال غير منطوق: لماذا الآن؟ ولماذا بعد كل هذا الوقت؟ وهو أيضًا اعتراف صامت بأن الغياب لم يكن بلا أثر، وأننا لم نخرج منه كما دخلناه.
في العتاب نكتشف نضجنا القاسي. لم نعد نعاتب كي نغيّر الآخر، بل كي نُثبت لأنفسنا أننا كنّا هنا، أننا انتظرنا، أننا تألمنا دون أن نصرخ. العتاب يصبح شكلًا من أشكال الكرامة، وحدًا أخيرًا نرسمه بين ما كان وما لن يكون. إنه محاولة لترميم ما يمكن ترميمه دون خداع النفس بأن كل شيء سيعود كما كان.
العودة تُربك التوازن الهش الذي بنيناه في الغياب. تعيد فتح نوافذ أغلقناها عمدًا، وتوقظ مشاعر اعتقدنا أننا دفناها بوعي. فجأة، تتكلم الذاكرة بصوت عالٍ، وتخرج التفاصيل الصغيرة من مخابئها: عبارة ملغومة ، عادة قديمة، كلمة كانت كافية لتغيير يوم كامل. ندرك حينها أن النسيان لم يكن شفاءً، بل هدنة مؤقتة.
ومع ذلك، لا تكون العودة دائمًا وعدًا بالاستمرار. أحيانًا تكون مجرد زيارة أخيرة للمعنى، تأكيدًا نهائيًا أن ما جمعنا كان حقيقيًا، وأن ما فرّقنا كان أكبر من قدرتنا على الاحتمال. أحيانًا تأتي العودة لا لتبدأ من جديد، بل لتُغلق الدائرة بشكل إنساني، أقل قسوة، أقل التباسًا.
ننظر إلى الشخص العائد فنرى نسختين: نسخة نحبها كما هي، ونسخة نلومها لأنها لم تكن حين احتجناها. هذا التناقض هو جوهر العتاب، وهو سر شفافيته المؤلمة. لا نريد أن نخسر من جديد، ولا نملك الشجاعة الكاملة للثقة. نقف في المنتصف، نجرّب الحياة بحذر، كما يُجرّب المرء أرضًا تعرّضت لزلزال.
في النهاية، عودة الشخص الآخر تعلّمنا درسًا متأخرًا: أن الحياة لا تعود كاملة أبدًا، لكنها تعود أكثر صدقًا. وأن العتاب ليس عدو الحب، بل دليله الأخير. وأن بعض الأشخاص حين يعودون، يعيدون إلينا أنفسنا التي كدنا نفقدها، حتى لو لم يبقوا طويلًا.
هكذا تكون العودة: حياة تُستعاد بنبض أبطأ، وبحكمة أثقل، وبطعم عتاب لا يُفسدها، بل يجعلها حقيقية بما يكفي لنحترمها، وبما يكفي لنتركها تمضي إن أرادت، دون أن نكذب على قلوبنا مرة أخرى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب
.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة
.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08
.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن
.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت