الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 19
الادب والفن


بعد طول غياب تعودين…
ولكن بأيِّ صورة؟
أ بصورةٍ تشبه ما تركتِه خلفك، أم بملامح لم يعد لها في الروح متّسع؟
تعودين بعد أن توقّف النبض لا لأن القلب مات، بل لأنه تعب من استدعاء ما لا يعود. تعب من الوقوف على شرفات الانتظار، من عدّ الغياب على أصابع الخيبة، من تصديق الوعد حين كان الوعد نفسه يحتاج من يصدّقه. القلب لم يتوقّف فجأة؛ لقد انسحب بهدوء، خطوةً خطوة، مثل جنديٍّ خسر الحرب ولم يُهزم في المعركة، بل في طولها.
المشاعر تلبّدت، لا لأن الغيم ثقيل، بل لأن السماء أُرهقت من المطر على أرضٍ لا تنبت. كم مرة سقينا الغياب أملاً؟ وكم مرة قلنا: لعل العودة تصحّح الخراب؟ لكن الخراب، حين يطول، يتحوّل إلى نظام حياة، وحين يعتاد القلب الفقد، يصبح الامتلاء عبئاً عليه.
الصورة تلاشت…
لا لأن الذاكرة ضعيفة، بل لأنها ذكيّة بما يكفي لتحذف ما يؤلمها. الذاكرة ليست خزنة حديدية، إنها كائن هشّ، يفرز، ينتقي، ويقسو أحياناً ليحمي صاحبه. كانت ملامحك يوماً واضحة حدّ الوجع، ثم بدأت تتآكل، لا بفعل الزمن وحده، بل بفعل الأسئلة التي لم تُجب، وبفعل الصمت الذي طال حتى صار لغة قائمة بذاتها. تتآكل الذاكرة في الغياب ، ويصبح النسيان كالأخطبوط الذي يلتف حول الذكريات ليخنقها.
كل ما يتعلّق بك لفّه النسيان، لا بوصفه خيانة، بل كحالة دفاع أخيرة. النسيان ليس عدواً دائماً؛ أحياناً يكون رحمة متأخرة. أن تنسى يعني أنك جرّبت أن تتذكّر كثيراً، أكثر مما ينبغي، أكثر مما يحتمل الإنسان دون أن ينكسر. وما انكسر في الداخل لا يُرمّم بعودة متأخرة ولا باعتذارٍ مُعاد الصياغة.
حتى الذاكرة لم تعد تحتمل ثقلك.
وهنا، تحديداً، تكمن القسوة الحقيقية: أن يصبح الشخص أثقل من الذكرى، وأن تتحوّل الحكاية من شغفٍ إلى عبء، ومن حضورٍ إلى استنزاف. حين تعجز الذاكرة عن حمل اسمٍ ما، فهذا يعني أن الاسم استهلك رصيده العاطفي بالكامل، وأنه لم يعد جديراً بمساحة الألم التي يحتلّها.
تعودين… ولكن العودة ليست فعلاً بريئاً. العودة سؤال أخلاقي قبل أن تكون حركة جسد. هل يحقّ للغائب أن يعود كما لو أن الغياب لم يحدث؟ هل تكفي كلمة “عدت” لمحو كل ما فعله الغياب من تصدّعات؟ هناك غيابات لا تُغتفر لأنها لم تكن قسرية، بل اختياراً، والاختيار مسؤولية لا يسقطها الزمن.
العودة بعد طول غياب ليست بطوله، بل امتحان. امتحان للصدق، وللاعتراف، وللشجاعة في مواجهة ما تهدّم. ومن يعود دون أن يرى الخراب الذي خلّفه، يعود أعمى، وإن كانت عيناه مفتوحتين. ومن يطلب أن يُستقبل بالدفء ذاته، يجهل أن الدفء لا يُخزَّن، وأن القلوب لا تعمل بنظام الاسترجاع.
هنا لا نقف موقف العتاب وحده، بل موقف النقد. نقد الفكرة الرومانسية التي تقدّس العودة لمجرّد أنها عودة، وتغفر للغائب لأنه اشتاق. الاشتياق لا يكفي. الحب لا يُقاس بالحنين فقط، بل بالمسؤولية أثناء الحضور، وبالأمان الذي يُمنح لا الذي يُسحب ثم يُطلب من جديد.
ربما تعودين، نعم…
لكن ما لم تعودي به هو الأهم: هل تعودين بذات الصدق الذي غبتِ عنه؟ بذات الوضوح الذي افتقدناه؟ أم تعودين لتبحثي عن صورة قديمة لم تعد موجودة إلا في مخيّلة متعبة؟ القلوب التي نجت من الغياب لا تقبل أن تُختبر مرة أخرى بالطريقة ذاتها.
الغياب يعلّمنا القسوة الناعمة: أن نبتسم دون حنين، أن نتذكّر دون ألم، وأن نغلق الأبواب دون ضجيج. وما بعد الغياب ليس فراغاً كما يُظن، بل ترتيب جديد للأشياء، حيث لا مكان لمن لم يعرف قيمة البقاء.
تعودين… لكن القلب الذي تنتظرينه لم يعد هنا. لم يمت، بل تعلّم كيف يعيش بلا انتظار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العدل السورية تنشر جانبا من وقائع تمثيل مقتل الفنانة السورية


.. تعمير - مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة تستضيف حفل -V




.. الناقد خالد محمود مهرجان برلين ينحاز للسينما المستقلة والتج


.. الناقد السعودي أحمد العياد من برلين المتحدة تقدم تنوع كبير ف




.. الناقد السعودي أحمد العياد : تميز كبير في مستوى الأفلام العر