الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أحلام تتقلص...وأوطان تتلاشى

أكرم شلغين

2025 / 12 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


إنه وجع جيل لم يُهزم دفعة واحدة، بل تآكل على مهل.
كبرنا ونحن نحفظ القصيدة قبل ان نفهم معناها، نرددها كما تردد التعاويذ: بلاد العرب اوطاني، وكان التكرار كفيل بان يصنع وطنا. صدقنا ان الجغرافيا قلب واحد، وان لسان الضاد جسر لا يهدم، وان التاريخ حين ينشد يصبح حقيقة. لكننا ما ان حاولنا ان نخطو خطوة واحدة خارج الخط المرسوم لنا، حتى اكتشفنا ان الوطن ليس نشيدا، بل ختم على جواز، وان الحدود ليست خطوطا على الخريطة، بل جدران في الروح قبل الارض. عندها فقط بدا الامتحان، وسقطت الكلمات امام التجربة.
قيل لنا: لا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا. ثم نظرنا حولنا فرأينا الدم يسفك باسم الدين، والحدود تغلق باسم السيادة، والانسان يطرد لأنه ولد في الجهة الخطأ من الخريطة. سوريا لم تكن استثناء، بل كانت المرآة الاكثر صفاء للفاجعة. هناك تكسر الشعار، وانفضح الكذب القديم: لسنا واحدا، ولا نعامل كواحد، ولا يراد لنا ان نكون واحدا. ومع ذلك ظللنا نغني، كان الغناء تعويضا عن العجز، وكان الصوت العالي يخفي الصمت الداخلي.
ثم بدأت الاحلام تنكمش. من حلم الامة، الى حلم الارض، الى حلم البقاء. كنا نغني الارض بتتكلم عربي، وفي الوقت ذاته كنا نصطف طوابير طويلة امام سفارات لا تتكلم العربية، نرجو تأشيره، اي تأشيرة، الى اي مكان لا يشبهنا. كرهنا الرأسمالية في الخطب، واحتسينا رموزها في المقاهي والاجتماعات. رفعنا شعارات كبيرة، وعشنا تناقضات أصغر لكنها اشد قسوة. لم نعد نطلب العدالة، بل الامان؛ لم نعد نطالب بالحرية، بل بلقمة لا تذلنا.
واليوم، تقلص الحلم أكثر. لم نعد نسأل: لمن هذه الارض؟ بل: هل يسمحون لنا ان نعيش عليها؟ نسمع من يتحدث عن وهب الاراضي، عن اراض ثمنها تريليونات الدولارات فهي تقاس بالأرقام لا بالبشر، عن ثروات تهب لمن يريد، عن صفقات تعقد والناس نيام، نحن نيام. ننام على احلام متفتتة، على اوطان تتلاشى، على هوية تتداعى. وكأننا أصبحنا غرباء في ارضنا، مشردين في اوطاننا، متسولين على ابواب العالم. الناس نيام لا لأنهم لا يفهمون، بل لان التعب غلبهم. المأساة ليست اننا خدعنا يوما، بل اننا نعرف الحقيقة الان، ومع ذلك نواصل العيش كأننا لم نر شيئا. وهذا، وحده، أقسى اشكال الخسارة.
نحن اليوم في قلب صراع لا يرى بالسلاح، بل يعاش في التفاصيل اليومية: صراع بين البقاء الذي نستمده من لقمة العيش، وبين حلم أكبر يطالبنا بان نكون أكثر من ناجين. صراع بين ان نعيش فقط، او ان نعيش ومعنى الوطن في داخلنا. السؤال لم يعد من سينتصر في المعارك الكبرى، بل من سينتصر في داخلنا: الخوف ام الوعي، الجوع ام الكرامة، الصمت ام الحلم. لست متفائلا في أننا سنستيقظ قبل فوات الاوان، ونسترد للوطن معناه، وللأخوة روحها، وللحلم روعته؟ بل سنواصل النوم الطويل، بينما يهب الاخرون ارضنا وتاريخنا ومستقبل ابنائنا، ونحن سنكتفي بالنجاة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في بومباي.. أكبر حي فقير في آسيا معروض للبيع • فرانس 24


.. استقالة مدير مكتب ستارمر رئيس وزراء بريطانيا بسبب تعيين سفير




.. شركة روسية تحول طيور الحمام إلى طائرات مُسيّرة.. هل الهدف هو


.. إسرائيل توافق على حزمة إجراءات لتكريس سيطرتها على الضفة الغر




.. مراسل الجزيرة يرصد الأوضاع في بلدة برقة شمال نابلس