الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تعلموا النسيان .. وتركوا لنا الذنب كاملاً
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 20
الادب والفن
( يا حمد حبهم دغش شمتاني .. تعلّموا نسيانك ونسياني ) لم يكن صوتاً جميلاً بقدر ما كان دقيقاً. دقيقاً كجرحٍ يعرف مكانه ولا يخطئ. حين سمعت المقطع، لم أُغلق الصوت، بل أغلقتُ أعذاركم واحدةً واحدة. فهمتُ فجأة أن النسيان ليس غياباً للذاكرة، بل قراراً. تعلّموا نسيانك ونسياني. الجملة لا تتحرّك، لكنها تُحرّك كل شيء. تعود كل مرة وتضع إصبعها على المكان ذاته، حيث تركتمونا نُعيد ترتيب أنفسنا وحدنا. أنتم لم تنسوا لأن الوقت مرّ، نسيتم لأنكم استثمرتم في النسيان. هناك من يبني بيتاً، وهناك من يبني مسافة، وأنتم بنيتم مسافة كافية كي لا تسمعوا صوت الكسر.
الحبّ الذي قدّمتموه لم يكن خطأً عاطفياً، كان ترتيباً ذكياً للخروج. كلمات محسوبة، دفء بالقدر اللازم، ووعود تُقال لتأجيل الأسئلة لا للإجابة عنها. كل شيء كان يعمل لصالح لحظة واحدة: لحظة أن تمضوا بلا حساب.
الشماتة لم تكن في ضحكة، كانت في الهدوء. في نومٍ كامل، في صباحٍ بلا ثِقل، في يومٍ عادي بينما كنّا نحن نُقسّم اليوم إلى أنفاس كي نحتمله.
يا حمد، تعلّموا نسيانك لأن حضورك كان يطالبهم بأن يكونوا أفضل، وتعلّموا نسياني لأن الشاهد على الزيف يُربك القصة. والقصص التي تُربك، يُستغنى عنها.
الذاكرة لا تؤلم لأنها تتذكّر، تؤلم لأنها تُقارن. نحن نتذكّر ما قيل، ثم نقارن بما فُعل، والفجوة هي ما يقتل. نحن لم نكن نبحث عن كمال، كنّا نبحث عن اتساق. أن تقولوا ما تفعلون، وأن تفعلوا ما تقولون. لكنكم فضّلتم اقتصاداً عاطفياً أقل كلفة: أخذٌ كامل، ودفعٌ مؤجّل… إلى غير موعد.
أنتم لم تغادروا فجأة، غادرتم بالتدريج. قلّة اتصال، تأجيلات صغيرة، تعبٌ مُعلّب، محاورات نارية ، اتهامات باطلة . حتى صار الغياب منطقياً، وصار الألم مشكلة من تركتموه.
الذنب لا يظهر عند الرحيل، يظهر لاحقاً… حين يطلب الوعي فواتيره. لهذا يختنق النص، لأنه يُذكّر الفاتورة. في القراءة الأولى، قد يبدو الكلام قاسياً. في الثانية، ستبحثون عن استثناء لأنفسكم. في الثالثة، ستتذكّرون وجهاً لم تعتذروا له. في الرابعة، ستفهمون لماذا لا يُنسى هذا النص.
نحن لم نكن ضعفاء، كنّا مكشوفين. الفرق كبير. الضعف نقص، أما الانكشاف فثقة أسيء استخدامها. وأنتم استخدمتموها ثم أغلقتم الباب.
الذاكرة تعمل ببطء، لكنها تعمل. تُعيد المشهد نفسه بزوايا مختلفة: توقيت الرسائل، اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء ولم ننتبه. كل زاوية تضيف ثقلاً جديداً.
أقول : النسيان السريع ليس قوة، إنه انسحاب مبكر من المسؤولية. القوة أن تبقى وتواجه، لا أن تنجو وتسمّي ذلك نضجاً. أنتم لم تتركوا أشخاصاً، تركتم أسئلة بلا إجابة. والأسئلة حين تُترك، تتحوّل إلى ليل طويل . ونحن لم نسهر لأننا نحب السهر، سهرنا لأن النوم كان يتطلّب تفسيراً.
( تعلّموا نسيانك ونسياني). لاحظوا كيف لا يطلب شيئاً، ولا يصرخ، ولا يهدّد. هو فقط يذكر الحقيقة… وهذا يكفي.
العقل ينسى التفاصيل، لكن الجسد لا ينسى الإحساس. لهذا يعود الاختناق عند القراءة، حتى لو حاولتم عقلنة كل شيء. نحن لم نطلب اعتذاراً عظيماً، طلبنا إشارة. علامة صغيرة تقول: نحن نعلم أننا آلمناكم. لكن الصمت كان جوابكم الأكثر اكتمالاً. أنتم تحبّون القصص ذات النهاية المفتوحة، لأنها لا تُدين أحداً. أما نحن، فعلّقنا في منتصف الحكاية، لا نهاية ولا بداية جديدة، فقط انتظار.
المجتمع يصف الناسي بالقوي، والذاكر بالضعيف. لكن الحقيقة معكوسة. الذاكرة شجاعة، والنسيان… راحة مؤقتة. نحن لم ننهَر، تعلّمنا التماسك القسري. تعلّمنا أن نبتسم دون أن نُشرح، وأن نُجيب: ( أننا بخير) دون أن نُفصّل.
اقرأوا هذا النص بعد أسبوع. ستشعرون بثِقل مختلف. اقرأوه بعد شهر، ستعرفون لماذا لا يهدأ. لأنه لا يتهم، بل يذكّر. أنتم اخترتم النجاة، وهذا حقّكم. لكن النجاة التي تُبنى على كسر الآخرين تترك أثراً، حتى لو تأخّر.
الذنب لا يطلب الاعتراف، يطلب المواجهة. وهذا النص… مواجهة. لا نريد اعتذاركم الآن. ليس لأننا أقوى، بل لأن الوقت تعلّم كيف يتجاوزنا. الاعتذار المتأخر لا يعيد ترتيب الليل، ولا يخفّف وطأة الأسئلة. نحن بخير؟ لا. نحن فقط اعتدنا الثِقل. صار جزءاً من المشي، من الكلام، من الصمت.
سنمضي، لكن بذاكرة أثقل مما ينبغي. سنمضي ونحن نعرف أن بعض القلوب لا تكسر لأنها شريرة، بل لأنها اختارت الطريق الأسهل.
إذا شعرتِ بالحزن وأنتِ تنهين القراءة، فهذا ليس لأن النص حزين. بل لأنك تذكّرتِ شخصاً كان يمكن إنقاذه بكلمة، ولم تُقل. وهذا كل ما في الأمر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب
.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة
.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08
.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن
.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت