الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين الطيبة والانفعال: سقوط الصورة الجميلة

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 20
الادب والفن


كنتِ ـ وما زلتِ ـ جميلةً في الروح والجسد، لا لأن الملامح قالت ذلك، بل لأن الحضور كان يسبقها. لم أُغبِن صفاتك يومًا، ولم أحتج إلى تبرير إعجابي بك؛ كنتِ طيبةً بقدر ما تسمح به الفطرة، ونقيّةً بقدر ما تحتمله التجربة. غير أن هذا الجمال، حين يُترك وحيدًا في مهبّ الانفعال، يتشوش، كمرآةٍ صافيةٍ لامسها الغضب فجأة فاختلطت صورها.
هذه المقالة ليست إدانة، ولا مرافعة دفاع، بل قراءة هادئة لسؤال موجع: كيف يمكن لردّة فعلٍ متسرّعة أن تُسقِط كل هذا الرصيد الإنساني في لحظة واحدة؟
الطيبة، حين لا تُدرَّب على الصبر، تتحول إلى هشاشة. والذكاء، حين لا يُسند بالحِلم، يصبح أداةً لقطع الجسور لا لبنائها. كنتِ مبهرَةً في الحوار عندما تصغين، وفي النقاش حين تمنحين المساحة للفهم، لكنكِ في اللحظة التي يستعجل فيها الانفعال الكلمة، تفقدين السيطرة على المعنى. هنا لا تُخطئ الفكرة وحدها، بل تُساء الظنون، ويُقرأ الكلام على غير مقصده، وتُحمَّل النوايا ما لم تقله.
ردود الأفعال المتسرعة لا تكشف عن قوة الشخصية كما يُخيّل لصاحبها، بل عن خوفٍ دفين من أن يُساء الفهم، أو أن يُنتقص من القيمة. إنها ردود أفعالٍ دفاعية، تسبق السؤال، وتستعجل الحكم، وتختصر الطريق على حساب الحقيقة. وما أخطر هذا الاختصار حين يكون الثمن صورة الإنسان في عيون من أحبّوه.
في الحوارات، لا نخسر لأننا نخطئ الرأي، بل لأننا نخطئ التوقيت. كلمة تُقال قبل أن يكتمل الفهم، موقف يُتخذ قبل أن تهدأ الفكرة، ظنٌّ يُطلق دون دليل… كل ذلك لا يهدم الحوار فقط، بل يهدم ما هو أعمق: الثقة. والثقة، حين تُخدش، لا تعود بسهولة مهما كانت النوايا صافية.
لهذا يتبدد ذاك البريق الذي كان يُرى فيكِ حبيبًا وصديقًا وزميلًا. لا لأنكِ تغيّرتِ جوهريًا، بل لأن صورتكِ تشوّهت بفعل سلوك لحظي. الناس لا تملك رفاهية الغوص في دوافعك الداخلية، هم يحاكمون ما يرونه ويسمعونه. وردّة الفعل، للأسف، أكثر ما يُرى وأكثر ما يُحفظ في الذاكرة.
التحليل الأصدق يقول إنكِ لا تفتقرين إلى الوعي، بل إلى التمهّل. لا ينقصكِ الفهم، بل الصمت المؤقت الذي يسمح له أن يكتمل. الصمت هنا ليس ضعفًا، بل حكمة مؤجلة. هو المسافة الضرورية بين الشعور والكلمة، بين الاستفزاز والرد، بين الظنّ والحقيقة.
كم من علاقاتٍ خسرتها كلمات قيلت في لحظة توتر، وكم من صورٍ جميلة تكسّرت لأن أحدهم لم يمنح نفسه دقيقة إضافية للتفكير. الإنسان لا يُقاس بما يشعر به، بل بما يفعله حين تشتعل مشاعره. وهنا، تحديدًا، يُختبر النضج.
أن تكوني جميلة في الروح والجسد نعمة، وأن تكوني ذكية ومحبوبة امتياز، لكن أن تحافظي على ذلك كله يتطلب شجاعةً من نوع آخر: شجاعة ضبط النفس. أن تؤجلي الرد، أن تسألي قبل أن تحكمي، أن تمنحي الحوار حقه من الفهم لا حقه من الانتصار.
في النهاية، لا شيء مؤلم أكثر من أن يخسر الإنسان مكانته لا لعيبٍ فيه، بل لردّة فعلٍ كان يمكن تداركها. الجمال لا يزول، لكنه يُحجب. والطيبة لا تموت، لكنها تُساء قراءتها. وما بين هذا وذاك، يقف الإنسان أمام مرآته، ليدرك أن أعظم انتصاراته ليست في الرد السريع، بل في الحكمة التي تجعله يختار متى يرد… ومتى يصمت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لجنة الاتصالات بالنواب تستقبل الفنان أحمد زاهر بطل مسلسل لعب


.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة




.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08


.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن




.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت