الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
وترٌ مختومٌ بالشمع الأحمر
ضيا اسكندر
كاتب
2025 / 12 / 21
الادب والفن
حين تُصبح الموسيقى تهمة، ويُعامل الوتر كجسدٍ يجب تفتيشه، ينكشف وطنٌ يخاف من أغنية أكثر مما يخاف من الخراب. قصة بهاء شيخو ليست سيرة فنان، إنها نشيدٌ مكسورٌ يبحث عن صوته في هواءٍ مُراقَب.
في الشمال السوري، حيث الريح نفسها تُستجوب، كان الغناء الكردي يُسجَّل كخطر. هناك، كان بهاء يعزف كما لو أنه يفتح نافذة في جدارٍ خانق. بُزُقه لم يكن خشباً، بل رئة. وكل نغمة تخرج منه كانت تشبه طائراً يرفرف فوق الأسلاك الشائكة ويقول:
"أنا هنا... بلغتي، بروحي، بتاريخي".
ذات مساء من تسعينيات القرن الماضي، لبّى بهاء دعوةً لإحياء حفل زفاف في صالة أفراح بمدينة القامشلي. دعوته للغناء لم تصدر عن شهوة الضوء أو لهفة المال؛ جاءت استجابةً لنداء القلب حين يُستدعى ليشهد بهجة الآخرين. غنّى للحب، للحياة، للتاريخ… ولكن بلغته. لغته الأم. الكردية.
لكن في وطنٍ يمرض من التعدد، كانت كل جملة تُغنّى بالكردية تُحسب كرصاصة، وكل لحن خارج عن العربية، يُدوَّن كتقرير أمني يُفتح عند الحاجة.
لم تمضِ ساعتان على وصلته الغنائية حتى انطفأت الأضواء؛ انطفأت لأن دورية من "الأمن السياسي" اقتحمت القاعة دخولاً يشبه مداهمة خلية إرهابية، فيما كان الناس يرقصون على إيقاع الحياة.
اعتقلت العريس، وبهاء، وحتى بزقه. وكأنهم جميعاً شركاء في جريمة الغناء. ذُهِل المدعوون، ولكن الذهول في سوريا لم يكن كافياً لتغيير قدرٍ كُتب بلغة الخوف.
في فرع الأمن السياسي، حيث الروح تُفرم على مهل، جُلِب بهاء إلى غرفة تحقيق تعجّ برائحة الاستعلاء.
جاءه المحقق، يحمل سطوة الدولة وعصبيّة الجهل، وسأله بنبرة متعجرفة ملؤها الاتهام:
- كم مرة سنعيد هذه الأسطوانة المشروخة؟ ممنوع الغناء باللغة الكردية! ألم تفهموا بعد؟! ألا يعجبكم الغناء بالعربية؟! أم أنكم لا تستسيغون الحياة إلا في مخالفة القوانين؟! هل نسيتم أننا سمحنا لكم بالعيش هنا؟! عاملناكم وكأنكم من أهل البلد، ومع ذلك لا تكفّون عن الحلم بتلك الدولة الخرافية... كردستان! استيقظوا من أوهامكم يا انفصاليين! استيقظوا يا بنو آدم!
ظلّ بهاء صامتاً لحظة؛ صمتٌ لا يصدر عن خوف، إنما عن رغبة في كبح انكسار يليق بكبريائه. ثم قال بصوتٍ خافت يشبه صلاة جريحة:
- سيدي، نحن لم نطلب أكثر من أن نكون كما نحن... نحن شعب له لغته، وثقافته، وأغانيه، وذاكرته. هذه اللغة التي تتهموننا بها تُمنع في مدارسنا، تُحظر في دوائر دولتكم، حتى أسماء أبنائنا لا يُسمح لها أن تُولد كما نحب! نضطر لتسجيلهم بأسماء عربية في السجلات، بينما نناديهم بأسمائهم الكردية سرّاً في البيت... ألا ترون كم نحن ممزقون حتى داخل منازلنا؟
ثم تابع، بصوت رجلٍ لم يعد يخاف شيئاً، رجلٍ يحمل في صدره قرناً من القهر، وذاكرةً لا تموت:
– تقولون إننا لسنا من هنا، لكن التاريخ يقول غير ذلك. نحن هنا منذ مئات السنين. قبل أن تُرسم الخرائط، وقبل أن تُوزَّع الجنسيات كغنائم. أتودّ أن أعدّد لك بعضاً منّا الذين خدموا هذا الوطن؟ يوسف العظمة، وإبراهيم هنانو، وحسني الزعيم، وفوزي سلو، وأديب الشيشكلي... أكانوا دخلاء؟! نحن لم نحلم بالانفصال يوماً، بل بالعدالة. لم نحمل السلاح، بل البزق. لم نطالب إلا بحقٍّ يُفترض أن يكون من بديهيات الوجود: أن نكون أنفسنا. لا كما تريدوننا أن نكون.
كان صوته لا يصرخ، بل يُقرّر. كان كلامه لا يُجادل، بل يُعرّي.
ارتبك المحقق، غصّت الحنجرة التي اعتادت على إصدار الأوامر لا سماع الردود، ثم قال بحدّةٍ تواري العجز وهو يلوّح بيده:
- كفى لغواً! سنكتفي بحبسك ثلاثة أيام... لكن نحذّرك من الغناء باللغة الكردية، وإلّا فسيُمنع عنك حتى الهواء.. فقط الغناء بالعربية، هل فهمت؟!
وبعد ثلاثة أيام، أُفرج عن بهاء... والعريس... والبُزُق. لكن البُزُق عاد إليه مختوماً بالشمع الأحمر!
كأنهم لم يكتفوا بإسكات الصوت؛ امتدّ بطشهم إلى الآلة نفسها، خنقوها وختموها كما تُختم الأسلحة أو الوثائق السرية… واقعة تبدو سابقةً لم تعرفها أي دولة في العالم.
حين نظر بهاء إلى آلته المخنوقة بالختم القرمزي المتجمد على فم البُزُق، شعر وكأنّ أوتار قلبه هي التي خُتمت.
كان ذلك الختم أكثر إيذاءً من الزنزانة، أكثر استفزازاً من الكلمات. فهم بهاء ما لم يُقَل له:
أن البقاء سيكون عزفاً بلا صوت، وأن الرحيل وحده هو المقطوعة الأخيرة الممكنة.
فقرر الرحيل..
سافر إلى السويد. لم يحمل حقائب كثيرة، لكنّه حمل صورة. صورة البُزُق المختوم.
وفي مكتب اللجوء، حين أبرزها للموظف المختص، نظر هذا الأخير إليها مطولاً، حائراً بين الاستغراب والشفقة، ثم قال مذهولاً:
- آلة موسيقية مختومة بالشمع الأحمر؟! هل هذا... حقيقي؟!
ابتسم بهاء، ابتسامة تحمل غبار الرحلة وملح الطريق، وقال:
- أكثر من كل ما عشته.
أغلق الموظف الملف، ثم نظر إليه نظرة طويلة، فيها من الدهشة بقدر ما فيها من الإيمان العميق بألم البشر، وقال بصوت خافتٍ تشوبه ابتسامة مرتجفة:
"حتى موسيقاك تحمل ألماً ناطقاً... أهلاً بك".
وفي تلك البلاد البعيدة، حيث لا تُقمع اللغة، ولا تُعتقل الألحان، جلس بهاء مرة أخرى مع بُزُقه.
عزف أول نغمة... فإذا بها تشبه شهقة نجت من الغرق. نغمة تحمل في ارتجافها ما عجزت الزنازين عن إطفائه. نغمة تشبه جناحاً يضرب الهواء بعد طول انكسار.
في السويد، عاد البُزُق ليتكلّم… عاد ليشهد أن اللحن لا يُدفن، وأن الشمع الأحمر، مهما بدا قاسياً، يذوب أمام نغمةٍ وُلِدت حرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صالون الأدب الوجيز- د. إلهام بوصفارة (ح 3)
.. شقيق أحمد جلال عبد القوى فى حضرة المتهم أبى يكشف تفاصيل رحيل
.. البروديوسر أميرة إسماعيل توضح تسلسلات الإنتاج الفني وكواليس
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_