الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل الشعر نخبوي؟
بعلي جمال
2025 / 12 / 21الادب والفن
( أنا لا أدين ولا أتهم )
إن الشعر، إذا لم يعبر حقيقة عن تطلعات الشعوب، ولم يكن صوتها وقائدها في مواجهة الظلم والقهر، فهو مجرد انغلاق داخل قوقعة القصيدة. منذ البدايات كان الشعر، ولا يزال، أغنية الإنسان الخالدة وترنيمة التحدي، توثيقاً للحياة وإصراراً من الإنسان على قوة الفعل للسيطرة على الطبيعة، بل ولتغيير مجرى التاريخ نفسه. فالشعر ليس ترفاً فكرياً، بل سلاحاً روحياً يحرر الضمير الجماعي ويبني الوعي المشترك.
هل الشعر نخبوي؟
هذا في الحقيقة ليس سؤالاً بريئاً، بل هو مجرد تضخيم لأنا الشاعر الذي يعتقد أنه ذلك القديس الذي لا تلوث يداه بعالم الغوغاء. ما الفرق بين أن ينتقص سياسي من وعي الجماهير، مدعياً أنها غير قادرة على فهم "التعقيدات"، وبين زعم الشاعر أن الشعر "نخبوي" يتطلب ذكاءً استثنائياً لا يمتلكه العامة؟ كلا الادعاءين ينبعان من النزعة الطبقية نفسها التي تفصل بين "النخبة المتنورة" و"الجماهير الجاهلة". وقبل ذلك، دعنا نتعرف على المفردة «نخبوي» في دلالتها الخطيرة؛ فهي تعبر عن طبقية ممقوتة بتشكيل سياسي قبيح، يذكرنا بكيف استخدمت النخب الثقافية عبر التاريخ لتبرير السلطة والامتيازات.
المعنى السياسي أو الاجتماعي (غالباً سلبياً): يشير إلى النخبوية، أي الاعتقاد بأن مجموعة صغيرة من الناس (النخبة) أفضل من الآخرين بسبب ثروتها أو سلطتها أو ثقافتها أو مهاراتها، وأنها تستحق امتيازات أكبر، مع نظرة تفوق أو تكبر تجاه عامة الناس. يُستخدم أحياناً للقدح في أفكار أو سياسات تبدو «منفصلة عن الشعب» أو موجهة فقط للطبقة العليا (مثل «فكر نخبوي» مقابل «فكر شعبوي»). وفي عصرنا الحالي، نرى هذا الادعاء يتجلى في بعض الدوائر الأدبية التي ترفض الشعر الشعبي أو المنشور على وسائل التواصل، معتبرة إياه "رخيصاً"، بينما تمجد النصوص المعقدة التي لا يفهمها إلا القلة.
وأعتقد أن هناك أيضاً معنى مخادعاً يتورط فيه الشاعر بتعالٍ أقل ما يقال عنه إنه حالة من النرجسية تسقط دور الفرد في «التغيير». الشعر لا يمنحك تميزاً بقدر ما تمنحه المعاني والأفكار التي تلتزم بها في خدمة الإنسان وقضاياه. فالشاعر الحقيقي ليس نبياً منعزلاً، بل مشاركاً في معاناة شعبه، يحول آلامهم إلى كلمات تلهب الثورات وتبني الأمل.
وهذا ما يجعل الشعر أقرب إلى أذن الإنسان وقلبه، فهو يعبر عما يعجز الفرد عن الإفصاح عنه، ويمنح الصوت للصامتين. تذكر كيف كان شعر المقاومة في فلسطين (مثل محمود درويش) أو في أمريكا اللاتينية (مثل بابلو نيرودا) يتحدث بلسان الملايين، لا باسم نخبة مثقفة منفصلة.
وفي طرح رسالية الشعر، نقف على سر من أسرار الشاعرية التي تميز بين الشعراء ونصوصهم (يختلف أحمد شوقي أيام خدمته للأمراء عن شعره في المرحلة بعد المنفى). ألم يكن شوقي شاعراً نخبوياً في بداياته؟ في الحقيقة كان شاعر البلاط، يمدح السلطة مقابل الامتيازات، فحرره المنفى من صندوق المدح الأميري، والدارسون لشعره من النقاد يقفون على اختلاف جذري بين شوقي أثناء خدمته لدى الأمير وبين عودته شاعر الشعب، خاصة بتأثره بثورة 1919 التي جعلته يغني للكادحين والثوار. ومثل شوقي، نجد نزار قباني الذي تحول من شاعر الحب الرومانسي النخبوي إلى صوت الغضب الشعبي ضد الاستبداد بعد هزيمة 1967، أو أدونيس الذي يُتهم أحياناً بالنخبوية لتعقيد نصوصه، لكنه في جوهره يسعى لتجديد اللغة لخدمة الإنسان العربي المعاصر.
الشعر في الأصل ليس نخبوياً (جوهرياً)، وبعض الفرق التي تراها فنا لغوية فقط، إذ يتطلب فخامة وآليات صناعة بما يشبه تأصيلاً للفقه. وهذا أحد أوجه التجني على «التطور والتغيير في الشعر شكلاً ومضموناً». الذين يقدسون العمود والقصيدة العربية الكلاسيكية يرون الشعر فناً لغوياً باذخاً، والخروج عليه ردة ثقافية أو مؤامرة على الهوية اللغوية. لكن التاريخ يثبت العكس: الشعر الحر والنثري (مثل عند بدر شاكر السياب أو نازك الملائكة) لم يقتل الشعر، بل أحياه وجعله أقرب إلى نبض العصر، يتحدث بلغة الشارع دون أن يفقد عمقه. إن رفض التجديد تحت شعار "النخبوية" هو في الحقيقة خوف من فقدان الامتيازات الثقافية، لا دفاعاً عن الجمال.
في السياق نفسه، ما إذا كان الشعر نخبوياً أم يجب أن يكون صوت الشعب وقائده، يبرز أحمد فؤاد نجم (1929-2013) كنموذج حي ومثالي للشاعر الملتزم الذي رفض تماماً فكرة النخبوية، وجعل شعره سلاحاً في يد الجماهير، يعبر عن آلامهم وغضبهم وأحلامهم. لقب بـ"الفاجومي" (نسبة إلى "فاجوم"، تعبير عن التمرد والفجور في مواجهة الظلم)، وأصبح رمزاً للشعر الشعبي الثوري في العالم العربي.
لقد رفض أحمد فؤاد نجم أن يكون الشعر ترفاً نخبوياً، والنماذج كثيرة في شعرنا العربي.
في النهاية، الشعر الحقيقي هو الذي ينزل إلى الشعب، لا الذي يطلب من الشعب أن يصعد إليه. هو جسر بين القلوب، لا حاجز يفصل بين النخبة والعامة.
بعلي جمال _الجزائر_
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م
.. -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال
.. الفنانة السودانية هند الطاهر ضيفة مونت كارلو الدولية… • مونت
.. تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم
.. كلمة أخيرة - إنشاد لرمضان باللغة الماليزية مع المنشد مصطفى ع