الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عباءة الدين وسوط السلطة: حين يصبح الله -أداة- للوجاهة والنفوذ
امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات
(Amir Wael Abdulamir Murib)
2025 / 12 / 22
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بقلم: امير وائل المرعب
في المجتمعات التي يختلط فيها المقدس بالمدنس، يتحول الدين من علاقة روحية عمودية بين المخلوق والخالق إلى "عملة اجتماعية" أفقية يتم تداولها في أسواق السياسة والمجالس العشائرية والبيوت المغلقة. في العراق تحديداً، وبرؤية فاحصة للواقع، نجد أن ما يطفو على السطح تحت مسمى "التدين" ليس سوى قشرة سميكة تخفي تحتها أطماعاً دنيوية، ورغبة جامحة في السيطرة.
هذا التدين الشكلي، بطقوسه الصاخبة ومظاهره الاستعراضية، هو في جوهره "تدين زائف"، لا يمت للروحانية بصلة، بل هو استثمار "براغماتي" بحت للدين كأداة للوجاهة الاجتماعية والسلطة السياسية.
أولاً: الدين "وجاهة" ورأسمال رمزي
في التركيبة الاجتماعية العراقية، لم يعد التدين مجرد التزام أخلاقي، بل أصبح طريقاً مختصراً لانتزاع الاحترام والتقدير الذي لا يستحقه الشخص بمهاراته أو علمه.
• قناع التقوى: يرتدي الفرد عباءة التدين ليحصل على لقب "حجي" أو "شيخ"، مما يمنحه حصانة اجتماعية تجعل نقد تصرفاته أمراً محرماً.
• الثقة العمياء: يُستخدم المظهر الديني (اللحية، المحبس، الزبيبة في الجبهة) كشيك ضمان مفتوح في المعاملات التجارية والاجتماعية، وكثيراً ما كانت هذه المظاهر ستاراً لعمليات نصب واحتيال كبرى، حيث يثق الناس بالشكل ويُلدغون من المضمون.
ثانياً: استبداد "رب الأسرة" باسم السماء
تتجلى خطورة هذا التدين الزائف بأبشع صورها داخل جدران المنازل. هنا، يتحول الدين من رحمة وسكينة إلى "سوط" يسلطه الذكر (أباً كان أو زوجاً) على رقاب النساء والأبناء.
• انتقائية النصوص: يتم استحضار الآيات والأحاديث التي تخدم سلطة الرجل فقط، وتفسر بتسفّف لقمع أي صوت معارض أو مطالب بحرية شخصية.
• الوصاية الإلهية: يُنصّب رب الأسرة نفسه وكيلاً عن الله، فكل أمر يصدره هو "أمر إلهي" لا يقبل النقاش، وكل اعتراض عليه هو "كفر" أو "عقوق"، مما يخلق جيلاً مكبوتاً أو منافقاً يمارس التدين خوفاً لا حباً.
ثالثاً: العراق.. حينما يسرق "الكهنوت السياسي" الدولة
في الساحة السياسية العراقية، بلغ توظيف الدين ذروته الانحطاطية. الأحزاب السياسية أدركت مبكراً أن العقل الجمعي العراقي عاطفي تجاه المقدس، فاستبدلت البرامج السياسية الاقتصادية بالشعارات المذهبية.
• شرعنة الفساد: يتم تغليف الفشل الإداري والفساد المالي بغلاف القداسة. السارق ليس مجرد سارق، بل هو "ممثل للمذهب" أو "حامي للمقدسات"، وبالتالي فإن محاسبته تعتبر مؤامرة على الدين نفسه.
• التخدير الجماعي: يُستخدم الخطاب الديني التعبوي لإلهاء الجماهير عن حقوقهم المسلوبة في الخدمات والعيش الكريم، وتحويل انتباههم نحو معارك طائفية وهمية تضمن بقاء الزعماء على كراسي الحكم.
رابعاً: الاستثناء الوحيد.. البحث عن الحقيقة
أمام هذا الطوفان من النفاق والتدين المصلحي، يبرز مساران فقط يمثلان النقاء والصدق، لأنهما يتجهان نحو الداخل والحقيقة، لا نحو الخارج والمصلحة:
1. التصوف والعرفان: حيث الدين "ذوق" و"تجربة". المتصوف والعارف لا يبحثان عن سلطة ولا يتاجران بالدين في الأسواق؛ لأن غايتهم الفناء في المحبوب (الخالق) وتزكية النفس. إنه تدين الجوهر الذي يرى الله جمالاً وحباً، لا أداة قمع وتخويف.
2. الربوبية الغربية (Deism): وهي الإيمان بوجود خالق عظيم لهذا الكون بناءً على العقل والتأمل في الطبيعة، دون الحاجة لوساطة رجال الدين أو المؤسسات الدينية التي لوثت الفطرة. هذا المسار يحترم العقل البشري ويقدس الخالق بتنزيهه عن خرافات "تجار الدين".
الخاتمة:
إن التدين الشائع اليوم في العراق، والذي نراه في الفضائيات والبرلمانات وحتى في كثير من البيوت، هو "صنم" جديد مصنوع من التقاليد والمصالح. الحقيقة الإلهية لا تسكن في مظاهر النفوذ والوجاهة، بل تسكن في قلوب العارفين الذين زهدوا في الدنيا، أو في عقول الربوبيين الذين أدركوا عظمة الخالق دون تزييف. ما عدا ذلك، فهو مجرد مسرحية بائسة يدفع ثمن تذاكرها البسطاء من دمائهم ومستقبلهم.
هل ترغب في أن أقوم بتوسيع جزئية معينة، مثل إضافة أمثلة تاريخية أو أدبية تدعم فكرة "التصوف كمهرب روحي"؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لبنان بقصة - المسيحيون المشرقيون
.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا
.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا