الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تأملات في بؤس المشهد الثقافي
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 22
قضايا ثقافية
ما كتبه الروائي الجزائري بشير مفتي على صفحته في فيسبوك لا يمكن قراءته بوصفه شكوى شخصية أو حالة عابرة، بل هو شهادة موجعة على واقع ثقافي مأزوم. كاتب أنجز ثلاث عشرة رواية، وثلاث مجموعات قصصية، وكتب عشرات المقالات والنصوص المختلفة، وتُرجمت بعض أعماله إلى الفرنسية، ويصدر في بداية العام رواية جديدة، ثم تمرّ هذه الرواية كأنها لم تُولد. لا قارئ يبدي رأيًا، ولا ناقد يختلف أو يقترب، ولا جهة ثقافية أو أكاديمية تدعو الكاتب للحديث عنها، ولا جامعة ترى في النص مادة للنقاش أو الدرس. هذا الصمت الكامل لا يمكن تفسيره إلا بوصفه علامة على خلل أعمق من مصير كتاب واحد.
المؤلم في هذه الواقعة ليس غياب الاحتفاء أو الترويج، بل غياب التفاعل ذاته. نحن لا نعيش زمن الصدامات الفكرية ولا زمن السجالات الأدبية الحادة، بل نعيش زمن اللامبالاة، والزمن الذي لا يحتج ولا يناقش ولا يختلف هو زمن يعلن موت الحس الثقافي. الرفض اعتراف ضمني بالقيمة، أما التجاهل فهو إلغاء تام، كأن الكاتب لم يكتب، وكأن النص لم يوجد. في هذا المناخ يصبح الصمت حكمًا نهائيًا، لا فرصة فيه للتراكم ولا للجدل ولا حتى للخطأ.
الثقافة في مجتمعاتنا لم تتراجع من حيث الإنتاج، فالكتب تصدر والروايات تُكتب والأسماء تتكاثر، لكن ما تراجع فعليًا هو المتلقي الحقيقي. ذلك القارئ الذي كان يرى في الكتاب حدثًا فكريًا، وفي الندوة مساحة للاختلاف، وفي الكاتب صوتًا يستحق الإصغاء. حلّ مكانه متلقٍ سريع، عابر، يستهلك العناوين كما يستهلك الأخبار، ويمنح إعجابًا عابرًا بدل رأي، ويهرب من النص الذي يتطلب جهدًا وتأملًا. هكذا تفككت العلاقة بين الكاتب والمجتمع، وبات الكاتب يكتب في فراغ، فيما انسحب الجمهور إلى شاشاته الصغيرة، وترك الثقافة وحيدة في قاعات شبه فارغة.
المؤسسات الثقافية بدورها لم تكن خارج هذا التراجع، بل كانت جزءًا منه. الصحافة الثقافية تخلّت عن دورها النقدي، واكتفت بلغة المجاملات أو الصمت المطبق. الجامعات انفصلت عن الأدب الحي، وفضّلت نصوصًا مؤرشفة ومكرورة على نصوص تكتب الآن وتعبّر عن قلق الحاضر. أما الندوات الثقافية، فتحولت في كثير من الأحيان إلى طقوس شكلية، تُعقد لتُصوَّر، وتُدار بخطاب خشبي، ويحضرها المتحدثون أنفسهم أكثر مما يحضرها القراء. وحين يغيب الجمهور الحقيقي، تغيب الأسئلة، وحين تغيب الأسئلة تفقد الثقافة سبب وجودها.
ما عبّر عنه بشير مفتي حين وصف زمننا بالبائس ليس مبالغة ولا انفعالًا عاطفيًا، بل توصيف دقيق لمرحلة يُحتفى فيها بالسطحي لأنه سهل، وبالضجيج لأنه لافت، وبالتفاهة لأنها لا تتطلب تفكيرًا. في هذا الزمن يُهمَّش الكاتب الجاد لأنه لا يجيد تسويق نفسه، ويُقصى النص العميق لأنه يطالب القارئ ببطء ووعي ومشاركة ذهنية. إنها بؤس ثقافي قبل أن يكون فقرًا ماديًا، بؤس في الذائقة، وفي الفضول، وفي الرغبة في الفهم.
قضية بشير مفتي ليست قضية كاتب لم يُنصف، بل قضية ثقافة فقدت جمهورها، أو ربما تخلّت عنه، فبادلها الغياب بالغياب. السؤال الحقيقي لم يعد لماذا لم تُناقش الرواية، بل هل ما زال هناك من يريد أن يناقش أصلًا. وحين يتحول الكاتب إلى شاهد على زمن لا يسمعه، فإن الخسارة لا تقع على فرد واحد، بل على مجتمع اختار، بصمت، أن يعيش خارج الثقافة، وأن يستبدل المعنى بما هو أسرع، وأسهل، وأكثر قابلية للنسيان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رحيل مفاجئ لمنتجة مسلسل الجاسوسية -طهران-..هل تدارك الواقع ا
.. أوروبا تعيد حساباتها الدفاعية.. قادة عسكريون يحذرون من احتما
.. رد ترمب على سؤال هل ستفعل في كوبا كما فعلت في فنزويلا؟
.. طارق رحمن يؤدي اليمين الدستورية رئيسًا لوزراء بنغلاديش
.. تخصيب اليورانيوم.. هل تقدم إيران تنازلا في المفاوضات؟