الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العلم والسلطة: معركة الحقيقة والقوة
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 12 / 22
حقوق الانسان
منذ أن بدأ الإنسان يسأل، أصبحت المعرفة مصدراً للقلق لدى السلطة، فالعلم بطبيعته قوة تحررّ: يكشف ما تريد الأنظمة إخفاءه، ويُنتج شرعية معرفية توازي الشرعية السياسية، ويحررّ الإنسان من الخرافة، ويمنحه قدرة على التفكير خارج نطاق الهيمنة.
لذلك، فإن الصراع بين "العالِم والحاكِم" ليس حادثاً تاريخياً، بل هو صراع بنيوي بين العلم؛ بوصفه بحثاً عن الحقيقة، والسلطة؛ بوصفها ادعاءً لامتلاك الحقيقة.
وهذا التوتر هو ما يجعل الحضارات تبدو وكأنها تحتفل بعلمائها بعد موتهم، بينما كانت تضطهدهم في حياتهم، الإسلام كرّم ابن رشد وابن سينا، لكن السلطة الإسلامية سجنهما أو نفتهما، أوروبا تعتبر غاليليو رائداً، لكنها حاكمته، الصين تتفاخر بتراثها المعرفي، لكنها أبادت معظم كتب علمائها في عصر واحد! .. المفارقة إذاً ليست إسلامية أو عربية أو شرقية وغربية، إنها إنسانية.
يرى "ميشيل فوكو" أن السلطة ليست مجرد مؤسسات، بل شبكة لإنتاج الحقيقة والسيطرة على ما يعدّ "معرفة"، وبذلك يصبح العالِم منافساً سياسياً، لأن ما يقوله ليس مجرد أفكار، بل يمسّ تعريف الحقيقة نفسها. وبهذا المنظور يصبح العاِلم، دون سلاح، قادراً على إرباك السلطة لأنها تخشى صوتاً لا يمكن إخضاعه إلا بالقوة.
عاش "ابن سينا" نموذجاً حياً لمعادلة "المعرفة في مواجهة السلطة"، حيث سجنه حاكم همدان، ثم حرّره حاكمٌ آخر (علاء الدولة محمد) وقاده معه إلى أصفهان، اضطهدته الدولة لكنه بقي أقوى من السلطة، المجتمع -وليس النظام السياسي- هو من احتضنه، ولهذا خُلّدت كتبه، فهو مثال واحد على أن العالِم ينجو بفكره لا بولائه.
أما "ابن رشد"؛ الفيلسوف الذي نفته السلطة واحتفى به الغرب، فقد نُفي وأُحرقت كتبه في الأندلس، ثم أصبح أساس النهضة الأوروبية بعد وفاته، لم تكن المشكلة في "الإسلام"، بل في السلطة السياسية التي رأت فلسفته خطراً على خطابها الديني–السياسي. والأمة الإسلامية لاحقاً أعادت اكتشافه والاحتفاء به.. القمع كان سياسياً… والاحتفاء كان ثقافياً.
فيما استخدم "ابن الهيثم" الجنون كاستراتيجية مقاومة أمام قمع السلطة، فعندما أدرك استحالة تنفيذ مشروع هندسي طلبه الحاكم الفاطمي، تظاهر بالجنون لينجو بحياته وبعلمه، ومع ذلك ترك أكثر من 120 كتاباً وأعاد اكتشاف الكاميرا المظلمة.
السلطة تمتلك القوة، لكن العالِم يمتلك الحيلة والخيال، فـ"الفارابي"، استخدم حيلة "النشر بعد الموت" كتحرير للمعرفة، فقد أوصى بنشر كتبه بعد وفاته، ليكتب بحرية مطلقة دون خوف من السلطة، لقد أدرك الفارابي أن الحقيقة تملك قوتها حتى بعد موت صاحبها، ولا تستطيع السلطة محاكمة الأموات.
ولكن لماذا تنتج الأمة (الحضارة) العلماء وتطاردهم الدولة؟
هنا يكمن جوهر الأحجية التي طرحتها، كيف يمكن لحضارة أن تفتخر بعلمائها بينما قمعتهم دولها؟ الجواب: لأن "الأمة" غير "الدولة"، فالأخيرة هي جهاز سياسي يريد الاستقرار والطاعة، ويخاف من السؤال والنقد، ويرى في العلماء منافسين للشرعية.
أمّا الأمة (الحضارة) هي فضاء واسع، يصنع الثقافة والمعرفة، ويحفظ العلماء في ذاكرة طويلة تتجاوز عمر الحكام.
وشهد التاريخ الغربي صداماً متكرراً بين السلطة والعلماء؛ فـسقراط أُعدم لأنه تحدّى السلطة الأثنية، و"تشي هوانغتي" أحرق الكتب وقتل العلماء لفرض "حقيقة واحدة" مدارها السلطة أو الحاكِم، ورغم ذلك، تمكنت أفكار مثل فلسفة "لاوتزه" من النجاة والانتقال إلى الحضارة العربية الإسلامية، ما يؤكد أن المعرفة أقوى من الاحتكار السياسي.
ولم يُحاكم "غاليليو" بسبب خطأ علمي، بل لأنه هددّ سلطة المؤسسة الدينية التي احتكرت تفسير الكون، كما تعرض "فولتير وروسو" للنفي والسجن بسبب نقدهما للكنيسة والملكية، إنها حالة قصوى من احتكار الدولة للمعرفة.
وفي القرن العشرين، أعادت "المكارثية" إنتاج القمع في الولايات المتحدة، فلاحقَت علماء مثل أوبنهايمر وبولينغ، بينما شهد الاتحاد السوفييتي موجات اضطهاد واسعة للعلماء في عهد ستالين، وخسرت إيطاليا العالِم "إنريكو فيرمي" عام 1939م بفعل الفاشية والعنصرية، ليتحول دعامةً للنهضة النووية الأميركية.
وفي عصر التنوير والحداثة الغربي، لا يُحرق العلماء، بل: تُفصل وظائفهم، تُمنع أبحاثهم، تُشوه سمعتهم، تُخنق أصواتهم.. إذا انتقدوا الرأسمالية أو الحروب أو السياسات الإمبريالية! كما شاهدنا في حرب إبادة غزة وحرب العراق.. المبدأ واحد: عندما يهددّ العِلم مصالح السلطة، تُهاجم السلطة العلم!
كل الأمثلة التي ذكرناها تقول الشيء نفسه: العالِم قد يُسجن، قد يُنفى، قد يُطرد، قد يُجبر على الصمت، قد يدّعي الجنون أو يهرب أو يكتب سراً، لكن العلم ينتصر في النهاية، لا لأن العلماء أقوى من السلطة، بل لأن الزمن يقف في صف الحقيقة.
لأن الحقيقة -كما يقول أرسطو- "ابنة الزمن"، فإن العلماء الذين اضطُهدوا في كل الحضارات أصبحوا لاحقاً رموزًا كونية، بينما طوى النسيان أسماء الحكّام الذين حاربوهم!
وفي كل عصر وحضارة: من الخلافة إلى روما إلى الصين إلى أميركا اليوم، كلما حاولت دولةٌ قتل المعرفة، عادت المعرفة من شقوق المجتمع، من المنفى والهامش، أو حتى من جيل لاحق.
ربما لهذا السبب كانت المعرفة دائماً أخطر من السيوف، وأثمن من الإمبراطوريات،
وأبقى من كل سلطة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. آلاف التجار يتظاهرون في بغداد احتجاجاً على الرسوم الجمركية ا
.. لاجئون سودانيون في تشاد يواجهون صعوبات في مخيم طينة
.. حملة اعتقالات تطال شخصيات إصلاحية بارزة في إيران
.. الأمم المتحدة: قلق إزاء هجوم طائرة مسيرة على شاحنات برنامج ا
.. شبكات | سيول مرعبة تجرف خيام النازحين بإدلب