الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الماء واستمرارية الحياة في قلعة أربيل قراءة تاريخية–عمرانية في ضوء النقوش الآشورية
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2025 / 12 / 23دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تُعدّ قلعة أربيل واحدة من أقدم مواقع الاستيطان الحضري المستمر في العالم، إذ تقوم على تلٍّ اصطناعي تراكمت طبقاته عبر آلاف السنين، وبلغ ارتفاعه نحو 28–30 مترًا فوق مستوى السهل المحيط. وقد منح هذا الموقع المرتفع المدينة خصائص دفاعية ورمزية، لكنه في المقابل فرض تحديًا بنيويًا دائمًا يتمثّل في تأمين المياه لسكان القلعة، وهو تحدٍّ لم يكن تقنيًا فحسب، بل مسألة وجودية تتوقف عليها استمرارية الحياة والاستقرار الحضري.
من هنا، فإن دراسة علاقة أربيل بالماء لا يمكن اختزالها في منشأة واحدة أو فترة زمنية بعينها، بل ينبغي النظر إليها بوصفها سلسلة متراكمة من الحلول العمرانية التي تعاقبت عليها الحضارات، بدءًا من العصور القديمة وصولًا إلى العصر الحديث.
احتلّت أربيل (Arbela) مكانة بارزة في العصر الآشوري الحديث، ليس فقط باعتبارها مدينة إدارية، بل بوصفها مركزًا دينيًا مهمًا مرتبطًا بمعبد الإلهة عشتار الأربيلية. وقد انعكس هذا الدور في اهتمام الملوك الآشوريين بالمدينة، وحرصهم على إدراجها ضمن مشاريعهم العمرانية الكبرى.
وتؤكد النقوش الملكية الآشورية أن الدولة لم تكن تنظر إلى أربيل كمدينة هامشية، بل كجزء فاعل من الجغرافيا الإمبراطورية، الأمر الذي يفسّر توثيق تدخلات ملكية مباشرة في شؤونها، ومنها ما يتعلّق بالبنية المائية.
يمثّل النقش الحجري المنشور في مجلة سومر (المجلد 2، 1946، ص 50–52)، والذي أعاد نشره لاحقًا Grayson وNovotny ضمن النقوش الملكية للعصر الآشوري الحديث (RINAP)، شاهدًا مهمًا على مشروع مائي نُفِّذ في أربيل خلال عهد الملك سنحاريب (704–681 ق.م).
ويندرج هذا المشروع ضمن سياسة سنحاريب المعروفة في مجال إدارة المياه، إذ اشتهر بإنشاء القنوات والسدود وتنظيم الإمدادات المائية في نينوى وخنس ومدن أخرى. غير أن أهمية المشروع في أربيل تتضاعف بسبب طبيعة موقعها المرتفع، ما يجعل أي تدخل مائي فيها أكثر تعقيدًا ودلالة.
ولا يقدّم النقش تفاصيل تقنية دقيقة، لكنه يستخدم الصيغة الملكية الآشورية المألوفة، حيث يُبرز الملك بوصفه المنفّذ لإرادة الآلهة، ويُقدَّم المشروع كعمل يضمن رخاء المدينة واستقرارها. ومن خلال هذا الخطاب، يتضح أن الماء لم يكن مجرد مورد طبيعي، بل عنصرًا أساسيًا في شرعية الحكم واستدامة المدينة.
لا يمكن فهم المشروع المائي الآشوري في أربيل بمعزل عن بعدها الديني. فالإلهة عشتار الأربيلية كانت تُعدّ من أبرز آلهة البانثيون الآشوري، وكان معبدها مقصدًا للملوك طلبًا للنصر والشرعية. ومن ثمّ، فإن تزويد المدينة بالماء كان يحمل بعدًا رمزيًا يتمثل في خدمة المعبد وضمان رضى الإلهة.
ويعكس هذا التداخل بين الديني والعمراني إحدى سمات التخطيط الحضري في المدن الرافدينية، حيث تتداخل الوظائف المعيشية والرمزية ضمن منظومة واحدة.
يُنسب حوض ماء قلعة أربيل المعروف اليوم في الذاكرة الشعبية إلى فترات متأخرة، غالبًا ما تُربط بالعهد العثماني أو بفترة الانتداب البريطاني. غير أن غياب نقش تأسيسي واضح للحوض الحالي لا يعني أن الموقع لم يكن مستخدمًا مائيًا في فترات أقدم.
وفي ضوء النقش الآشوري، يمكن طرح فرضية علمية مفادها أن فكرة الخزن المائي أو تنظيم الماء داخل القلعة تعود إلى عصور مبكرة، وأن ما نراه اليوم ليس سوى حلقة متأخرة في سلسلة طويلة من التدخلات المائية. وبذلك، فإن الحوض الحديث قد يكون استمرارًا وظيفيًا لموقع مائي أقدم، حتى وإن تغيّر شكله وتقنيته.
تكشف دراسة الماء في قلعة أربيل عن نمط حضري قائم على التكيّف والاستمرارية. فالمدينة لم تغيّر موقعها رغم التحديات، بل طوّرت حلولًا متراكمة مكّنتها من البقاء. ويُعدّ المشروع الآشوري المبكر مثالًا على هذا التراكم، حيث وضع أساسًا ذهنيًا وتقنيًا لفهم علاقة القلعة بالماء.
ومن هذا المنظور، فإن أربيل تقدّم نموذجًا فريدًا في تاريخ المدن، إذ تمثّل حالة نادرة لاستمرارية حضرية حافظت على نواتها الأساسية، مع تطوير أدوات العيش فيها عبر العصور.
إن الربط بين نقش أربيل الآشوري ومشكلة الماء في قلعة أربيل يفتح أفقًا جديدًا لدراسة تاريخ المدينة، لا بوصفه تسلسلًا زمنيًا من الأحداث فقط، بل باعتباره تاريخًا للحلول العمرانية. ويُظهر مشروع سنحاريب المائي أن أربيل كانت، منذ العصر الآشوري الحديث، مدينة واعية بتحدياتها، وقادرة على إنتاج استجابات حضرية ضمنت لها الاستمرار حتى يومنا هذا.
............................
المراجع
1- صفّار، فؤاد. «مشروع سنحاريب لتزويد أربيل بالماء»، مجلة سومر، المجلد 2، بغداد، 1946، ص 50–52.
2- Grayson, A. K. & Novotny, J., The Royal In-script-ions of the Neo-Assyrian Period (RINAP), Vol. 3/2، نقش رقم 229 (أربيل).
3- Oates, J., Assyrian Cities, Oxford University Press.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين
.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط
.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت
.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا
.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية