الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تشويه الهوية الكردية بين الخطاب القومي والإسلام السياسي

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 12 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


نسمع بين الحين والآخر أصواتًا صادرة عن جماعات إسلامية متشددة، وأخرى تتبنى خطابًا شوفينيًا عربيًا، تروّج لادعاءات مفادها أن الكرد قوميون متعصبون أو «جاهليون»، متذرعين بأن زمن القومية قد ولّى. غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الخطابات ذاتها تمارس أقصى درجات القومية والإقصاء، حين تصرّ على إنكار الوجود القومي والتاريخي للشعب الكردي، لا سيما في الجزيرة السورية.
وتذهب هذه الجماعات إلى حدّ تسمية الجزيرة السورية، ذات الغالبية الكردية تاريخيًا وسكانيًا، بـ«الجزيرة العربية»، في محاولة واضحة لطمس هويتها الكردية، رغم كونها موطنًا تاريخيًا للكرد إلى جانب مكونات أصيلة أخرى من العرب والسريان والأرمن والإيزيديين. ويقوم هذا الخطاب على منطقٍ إقصائي مفاده: «أينما وُجد العربي، فالأرض عربية»، وهو منطق لا يستند إلى التاريخ ولا إلى القانون ولا إلى حقائق الجغرافيا.
ومن اللافت أن العالم العربي المعاصر يضم اثنتين وعشرين دولة تُصنَّف على أنها عربية، في حين إن الدول ذات الجذور العربية الصرفة لا تتجاوز عددًا محدودًا، أبرزها دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى اليمن والأردن، بينما تعود بقية الدول إلى شعوب وحضارات أصيلة تم تعريبها عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهو أمر تؤكده دراسات تاريخية ولغوية موثقة.
وقد شهد التاريخ طمس هويات شعوبٍ عريقة تحت مسمى «الفتوحات»، من بينها الفراعنة والأقباط، والأمازيغ، والفينيقيون، والبابليون، والكلدانيون، والآشوريون، فضلًا عن شعوب إفريقية أخرى. ويأتي اليوم الدور على الكرد في الجزيرة السورية، حيث يُعاد إنتاج السياسة ذاتها عبر تغيير الأسماء والحقائق، كما حدث في تسمية مدينة كوباني بـ«عين العرب»، استنادًا إلى وجودٍ عابر لبعض القبائل البدوية التي استقرت قرب نبع ماء في المنطقة، وهو تبرير لا يصمد أمام أي قراءة تاريخية جادة.
فالجزيرة السورية تقع جغرافيًا بين نهري دجلة والفرات، وهي جزء من بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، المعروفة تاريخيًا بأنها موطن لحضارات قديمة ارتبطت بالشعب الكردي وشعوب المنطقة الأصيلة. ومن هنا يبرز السؤال المشروع: متى، وكيف، أصبحت هذه المنطقة «عربية»؟
إن الوجود العربي في الجزيرة جاء تاريخيًا عبر هجرات لقبائل بدوية قادمة من شبه الجزيرة العربية، استقرّت في مناطق توفر الماء والمرعى، واستقرت فيها بمرور الزمن، دون أن يمنح ذلك أي مبرر لإلغاء هوية السكان الأصليين أو إعادة تعريف الجغرافيا على أسس أيديولوجية.
إن إنكار الهوية الكردية، والتلاعب بالتاريخ، ومحاولة تغليف هذه السياسات بخطاب ديني، لا يخدم قيم الإسلام ولا مبادئ العدالة، بل يكرّس منطق الإقصاء والازدواجية في المعايير. فالدين، في جوهره، دعوة للعدل والاعتراف بالآخر، لا أداة لتبرير الهيمنة القومية أو مصادرة حقوق الشعوب.
إن احترام التعددية القومية والثقافية، والاعتراف بحقوق الشعب الكردي التاريخية، ليس تهديدًا لأحد، بل شرطٌ أساسي لبناء مستقبل قائم على التعايش الحقيقي، بعيدًا عن سياسات الإنكار والتذويب التي أثبت التاريخ فشلها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فضيحة إبستين.. اتهامات بالتستر تطال إدارة ترامب وعلى رأسهم ا


.. بعد انسحاب القوات الأمريكية.. سوريا تتسلم قاعدة التنف العسكر




.. قافلة داعش الأخيرة تغادر سوريا نحو العراق.. هل بدأ الخطر الأ


.. ساحل بلا ضفاف.. الصعود الدامي للقاعدة وداعش في أفريقيا | #وث




.. الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي يمنع أوكرانيا من التوصل إ