الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حضور باهت

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 24
الادب والفن


حين رجعتِ بعد انقطاعٍ طويل، لم يقف قلبي على قدميه كما توقعتِ، ولم يركض نحوي بلهفة المتأخرين عن الفرح. كان المشهد أبسط وأقسى مما يُحتمل: قلبٌ يراكِ ولا يتحرك، يعرفك ولا يتورط، يستقبلك ببرود التحية لا بحرارة الشوق. كأن الزمن، في غيابك، لم يعلّمني كيف أشتاق فحسب، بل كيف أُغلق الأبواب بهدوء.
كانت عودتكِ باهتة، بلا طعم، بلا رعشة. لم تشبه تلك العودة التي ظللتُ أخشاها وأتمناها في آنٍ واحد. كنتِ هناك جسدًا وحضورًا، لكن روحكِ لم تصل، أو ربما روحي هي التي لم تعد قادرة على الوصول. شيءٌ ما انكسر في المسافة، شيء لا يُرمّم بالكلمات ولا يُستعاد بالذكريات.
أدركتُ في تلك اللحظة أن القلوب، حين تتعب، لا تعلن موت مشاعرها، بل تكتفي بالصمت. الصمت الذي يبدو تهذيبًا، لكنه في الحقيقة انسحاب أخير. كنتُ أراكِ وأسمعكِ، لكن قلبي كان يراقب من بعيد، كغريبٍ فقد حق التدخل. لم يعد يسأل: لماذا عدتِ؟ ولا ماذا تريدين؟ اكتفى بأن يبقى محايدًا، وهذه أخطر مراحل الخسارة.
رحلتِ بعد تلك العودة، ولم يهتز داخلي شيء. لا حزن، لا غضب، لا حتى فراغ. أدركتُ أن التأثر علامة حياة، وأن اللامبالاة هي الوجه الأصدق للفقد النهائي. حين يغيب الألم، نعرف أننا لم نعد نحب، ولم نعد ننتظر، ولم نعد نخاف الفقد لأننا فقدنا بالفعل.
اقول لك بهدوء: هذا آخر العهد بيني وبينكِ. لم أقلها انتقامًا، ولا قسوة، بل خلاصًا. بعض النهايات لا تحتاج دموعًا، بل شجاعة الاعتراف بأن ما كان، لم يعد صالحًا للاستمرار. أن نترك الأشياء تمضي كما هي، دون محاولات إنعاش متأخرة، ودون أوهام ترميم ما تآكل من الداخل.
اذهبي بعيدًا… ليس لأنكِ سيئة، بل لأن المسافة أصبحت ضرورة. اذهبي كي لا نُهين ما تبقى من ذكرى، ولا نُرهق القلب بمحاولات لا روح فيها. فليس كل عائدٍ يُستقبل، وليس كل حنينٍ يُستجاب له، وبعض الأبواب تُغلق لأن ما خلفها لم يعد يشبهنا.
هكذا تنتهي الحكايات الناضجة: بلا ضجيج، بلا مشهد أخير، بلا وعود. تنتهي حين يدرك القلب أن السلام أحيانًا أثمن من الحب، وأن الفقد المتأخر أقل وجعًا من البقاء بلا معنى.
لن أكتب عنك بعد اليوم، لا لأنكِ لم تكوني يومًا حكاية، بل لأنكِ لم تعودي مصدر إلهامي. الإلهام لا يُستجدى، ولا يولد من عودة باهتة، ولا يعيش في قلبٍ أغلق دفاتره وعلّق أقلامه احترامًا لذاته. كنتِ فكرة، ثم ذكرى، ثم صرتِ سطرًا مكتمل النهاية، لا يحتاج إضافة ولا يحتمل حاشية. اليوم أضع اسمك خارج النص، وأترك المساحة للفراغ النظيف، للصمت الذي لا يوجع، وللكتابة التي لا تشبهك بعد الآن . هذا آخر العهد بيننا . انتهى .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با


.. لعبة الحروف مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر وأولاده




.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع


.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت




.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه