الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا أكتب؟
بعلي جمال
2025 / 12 / 24الادب والفن
قد تختلف الآراء والأفكار، وقد تتصارع في جدلية الكتابة.
إن التعبير عن قضايا الإنسان والانتصاف لها، من خلال نقل همومه وطموحاته من المشافهة إلى التدوين والتأليف، فعلٌ نبيل يؤسس لوعي الإنسان والتاريخ. تظل الكتابة نظامًا من الرموز المرئية (الحروف، العلامات، الرسوم) التي تمثل اللغة المنطوقة أو الأفكار، وتُستخدم لتدوينها ونقلها عبر الزمان والمكان. وفي تعريفاتها الجذرية اللغوية، تتضمن معاني الجمع والحفظ.
في حقيقة الكتابة، ومع تنوع أغراضها وأدواتها، تقف الكتابة الإبداعية كلون من ألوان التعبير الفني عن الفكر والوجود. المبدع يؤثث لفنه معتمدًا على آليات تختلف عن الكتابة العلمية أو الوظيفية، فهو مرتبط بطبيعة موضوع فنه الإبداعي. (الكتابة التي تُنتج من أجل التعبير عن الذات، إثارة المشاعر، خلق تجارب جمالية أو فكرية جديدة، وليس من أجل نقل معلومات عملية أو تحقيق غرض وظيفي مباشر.) مع ذلك، فهي ليست ترفًا فكريًا، بل هي لون من التفكير والتبصر العميق الذي يدرك رسالته، بأدوات غير التي تعتمدها العلوم الأخرى.
أنا شاعر، والشعر فن من الفنون الجميلة، يصنع من اللغة عالمًا ممكنًا. هل اختياري الشعر لونًا تعبيريًا مجرد تسلية أحقق من خلالها متعة؟ أم التزام بقضية الإنسان في تشظياته اليومية؟ أنا أعبر من خلال الشعر، وقصيدة النثر تحديدًا، عن بعدي الكوني في محاولة تحقيق استخلاف ملتزم بقيم السلام والعدل.
قصيدة النثر هي تمردي، فوضاي القلقة، عصبيتي داخل رأسي... تحررني القصيدة من ثقل جسدي وبعدي المادي في زمنية العهر والقهر التي تشكل الديستوبيا.
في مسيرتي نحو هذا الشكل، وجدتُ في أنسي الحاج صوت التمرد الأول: الإيجاز الذي يشبه الوميض، والتوهج الذي لا يقبل بالتكرار. وفي محمد الماغوط وجدتُ الغضب الذي يحفر باللغة في لحم الواقع، فهو الذي جعل من قصيدة النثر سكينًا سياسيةً ووجدانيةً في آن. أما أدونيس فقد علمني أن الشعر تحول دائم، لا يسكن صناديق الذكريات ولا يقبل بالثبات. هؤلاء لم يكونوا مجرد تأثيرات، بل كانوا شهودًا على قدرة اللغة في مواجهة الديستوبيا، في زمن يحاول فيه القهر أن يصمت كل صوت حر.
الشعر رفض، يبدأ من الصدام داخل الشكل الفني نفسه، لغته، موسيقاه. نعم، أنا لا أصادر على العقول ولا أعلب الفنون داخل صندوق الذكريات، الشعر تحول...
كان الشعر دائمًا أكبر من مجرد كونه فنًا جماليًا، بل كان أداة حضارية أساسية للحفظ، التوثيق، التربية، الدعاية، التعبير الديني، وبناء الهوية الجماعية.
كان في الثورة الجزائرية هو المحرض على المقاومة، وشارك مشاركة فعالة في الحفاظ على الهوية واللغة والانتماء. وحسب الكثير من الدارسين، أن معظم النصوص الدينية القديمة كانت شعرية: الترانيم، الصلوات، الأناشيد (المزامير في العهد القديم، الگاثات في الزرادشتية، أناشيد الڤيدا).
وفي الثورة الجزائرية تحديدًا، لم يكن الشعر مجرد محرض عابر، بل كان سلاحًا وجدانيًا يحفظ الهوية واللغة وسط النار والدم. من شعر مفدي زكريا الذي غنى للأوراس وألف النشيد الوطني «قسما»، إلى قصائد بدر شاكر السياب ونزار قباني التي امتدت إلينا من العراق وسوريا، كان الشعر صوت الشعوب العربية مجتمعةً. حتى في أشكاله الحديثة، ظل يحمل نبض المقاومة، وإن تغيرت أدواته من العمودي إلى النثر الحر، فالرسالة واحدة: رفض الاستلاب والقهر.
أنا أكتب رؤيتي من خلال تذوقي الجمالي وفلسفتي في الحياة.
أكتب لأفكر، الشعر عندي تفكير، من خلاله أقدم الآخر الذي يعجز تحت أي ضغط أن يقول. والشعر كما كان في كل الحضارات هو نبضها ووجه من وجوه تمدنها.
أنا أكتب لأعبر عن تجربة روحية أيضًا، في بعض النصوص الصوفية التي ترتقي إلى حالة التطهر بالمحبة.
في زمننا الرقمي اليوم، حيث تُقرأ القصيدة في ثوانٍ على شاشات الهواتف، وتنتشر كومضات سريعة في فضاءات التواصل، تواجه قصيدة النثر تحديًا جديدًا: كيف تحافظ على عمقها وكثافتها دون أن تتحول إلى شعار براق فارغ، أو جملة قصيرة تُستهلك وتُنسى؟
أكتب لأقاوم هذا الانهيار، لأجعل من الكلمات القليلة عالمًا كاملاً يرفض الاختزال، ويبقى شاهدًا على إمكانية الإنسان في خلق الجمال من الرماد. فالشعر، في نهاية المطاف، ليس ملكي وحدي، بل هو شهادة على أننا – رغم كل القهر – لا نزال قادرين على التطهر بالمحبة والعدل والسلام.
بعلي جمال _الجزائر_
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مخرجة أفلام وثائقية للجزيرة: شبكات إعلامية فقدت شرعيتها بسبب
.. الناس بتحبنا مع بعض..الفنانة شيري عادل تكشف سر الكيميا بينها
.. ملحن كبار النجوم: هؤلاء لا يعرفون الموسيقى وفضل شاكر خارج ال
.. نهائي سوبر بول: مغني الراب البورتوريكي باد باني يوجه رسالة و
.. العلويون بعد أحداث الساحل: تشتّت في التمثيل السياسي.. ووحدة