الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تأملات في معنى الطبخة السياسية

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


دخلتُ عليه في المطبخ وهو يحرّك المغرفة في قدرٍ يغلي، يداه مشغولتان، وملامحه هادئة كمن يعرف تمامًا ما يفعل. سألته: ماذا تُعد؟ قال مبتسمًا: أُعدّ طبخة سياسية. ضحكتُ من النكتة، وضحك هو، وضحك الجمهورٌ لانه يعرف أن الضحك هنا ليس للمتعة فقط، بل لأنه اعتراف ضمني بحقيقة مألوفة. فالطبخة السياسية ليست دعابة عابرة، بل مصطلح ثقيل الدلالة، يعيش في لغتنا اليومية لأنه يعيش قبلها في واقعنا.
الطبخة السياسية، في جوهرها، فعل يُدار خارج الضوء. هي قرار أو اتفاق أو تسوية لا تُصنع على منضدة الحوار العلني، بل في غرف مغلقة، حيث تُوزن الكلمات كما تُوزن البهارات، ويُحسب الوقت كما تُحسب مدة النضج. لا يُهم فيها المعلن بقدر ما يُهم المخفي، ولا يُقاس نجاحها بمدى صدقها، بل بقدرتها على المرور بأقل ضجيج ممكن.
كما في المطبخ، لا يبدأ الطهي من القدر، بل من اختيار المكونات. شخصيات بعينها، قوى متناقضة ظاهريًا لكنها قابلة للامتزاج، أزمات جاهزة للاستثمار، ومخاوف عامة تصلح لأن تكون وقودًا. ثم تبدأ عملية التحريك البطيء: لقاءات لا تُعلن، تصريحات ملتبسة، تسريبات محسوبة، وصمتٌ أطول مما ينبغي. كل شيء يُدار على نار هادئة، لأن الاستعجال قد يحرق الطبخة، وكشفها مبكرًا قد يفسدها.
وحين تقترب اللحظة المناسبة، يُختبر الطعم. تُقاس ردود الفعل، يُراقَب الشارع، تُقرأ العناوين، ثم تُعدَّل الوصفة عند الحاجة. بعدها فقط يُرفع الغطاء ويُقدَّم الطبق للناس بوصفه حلًا، أو ضرورة، أو قدرًا لا مفر منه. كثيرًا ما يبدو القرار مفاجئًا، لكنه في الحقيقة نتيجة طبخ طويل لم نكن مدعوين لمشاهدته.
نرى شواهد هذه الطبخة في تحالفات تولد بلا منطق، وفي خصومات تنتهي فجأة دون اعتذار، وفي أزمات تُستنزف حتى آخر قطرة خوف ثم تُحل في لحظة واحدة. نراها في خطابين متوازيين: واحد للجمهور مليء بالشعارات، وآخر خلف الكواليس مليء بالمصافحات. نراها حين يسقط سياسي فجأة، أو حين يُعاد تدوير آخر كان يُقدَّم بالأمس بوصفه المشكلة.
ليست كل طبخة سياسية شرًا مطلقًا. أحيانًا تكون السياسة فن إدارة الممكن، وتكون السرية وسيلة لتفادي صدام أكبر أو كارثة أوسع. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الطبخة إلى أسلوب دائم، وحين يصبح الإخفاء قاعدة لا استثناء، وحين يُختزل الشعب في متلقٍ صامت لا يعرف ماذا أُضيف إلى طبقه ولا لماذا تغيّر الطعم.
الفرق بين الدهاء السياسي والخداع السياسي هو الفرق بين من يطبخ ليحفظ الجسد، ومن يطبخ ليخدّر الوعي. وحين تُقدَّم قرارات تمس حياة الناس وكرامتهم على أنها إنجازات، بينما هي في حقيقتها صفقات، نكون أمام سياسة فقدت معناها الأخلاقي وتحولت إلى حرفة مراوغة.
ضحكنا في المطبخ لأننا نعرف هذا الطعم جيدًا. نضحك أحيانًا لأن الضحك أقل كلفة من الغضب، ولأن السخرية آخر ما تبقى حين تُدار الأمور بعيدًا عنا. لكن الحقيقة البسيطة تظل قائمة: في السياسة كما في الطعام، أسوأ ما يمكن أن يحدث أن تأكل طبقًا لم تختر مكوناته، ولا تعرف من طبخه، ولا لماذا قُدِّم لك في هذا التوقيت بالذات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تطلق إسرائيل الرصاصة الأولى ضد إيران وتجر أميركا للحرب؟


.. بعد الإعلان عن تشكيلها.. ما ظروف تشكيل الحكومة اليمنية الجدي




.. الرابعة | استثمارات بالمليارات.. توقيع اتفاقيات سعودية سورية


.. الوقاية والحفاظ على صحة الكلى | صحتك بين يديك




.. هل انتهى المشروع السياسي لحماس؟