الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن اي شيء سيسجل التاريخ ؟

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 25
الادب والفن


ليس من السهل أن يُقال هذا الكلام، ولا من المريح أن يُكتب، لكنه بات ضرورة أخلاقية وتاريخية. فالتاريخ لا يُكتب بالبيانات الرسمية ولا بالخطب المنمّقة ولا بصور الزعماء المعلّقة على الجدران، بل يُكتب بما يُترك في حياة الناس، بما يُزرع في الشوارع، وبما يُكسر في أرواح الأوطان. وأنتم، مهما حاولتم أن تصنعوا لأنفسكم صورة القادة والزعماء والأبطال، ستدخلون التاريخ لا بهذه الألقاب، بل كـلصوص وقتلة ومجرمين بحق وطن اسمه العراق.
التاريخ لا يخدع، ولا ينسى، ولا يرحم. قد يتأخر، قد يصمت، لكنه في النهاية يتكلم بوضوحٍ قاسٍ. سيحكي للأجيال القادمة ما فعلتموه بالعراق، لا كما تروونه أنتم، بل كما عاشه الناس: دولة منهوبة، مجتمع ممزق، قيم مكسورة، وكرامة مداسة. سيحكي عن بلد كان يمكن أن يكون نموذجاً للحياة، فحوّلتموه إلى مختبر للفشل، وساحة لتصفية الحسابات، وغنيمة مفتوحة للفساد.
أنتم لم تحكموا العراق، بل استهلكتموه. لم تقودوه، بل قُدتموه إلى الحافة ثم تركتموه يسقط. لم تبنوا دولة، بل فككتم ما تبقى منها، قطعة قطعة، مؤسسة بعد أخرى، حتى صار الخراب هو القاعدة، وأصبح الاستثناء هو ما يدهش الناس. حكمتم بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة، وبمنطق الطائفة لا بمنطق الوطن، وبهاجس السلطة لا بهمّ الإنسان.
الهيبة التي تتحدثون عنها، والتي تحاولون فرضها بالقوة والسلاح والخطاب المتشنج، ليست هيبة الكبار. الهيبة الحقيقية تُبنى بالعدل، بالصدق، وبالقدرة على حماية الضعفاء قبل الأقوياء. أما أنتم، فصغار في الروح، لأنكم لم تحتملوا فكرة الوطن الجامع، وأقزام في الشخصية لأنكم لم تملكوا شجاعة التضحية بمصالحكم الضيقة من أجل مصلحة عامة. من يخاف من النقد، ويقمع الصوت الآخر، ويختبئ خلف الجدران والأسلحة، لا يمكن أن يكون كبيراً، مهما ارتفعت مناصبه.
لقد حكمتم باسم الشعب، لكنكم لم تسمعوا صوته. حكمتم باسم الدين، لكنكم شوّهتم قيمه. حكمتم باسم التاريخ، لكنكم أسأتم إليه. كنتم بارعين في إنتاج الأزمات، فاشلين في إنتاج الحلول. كل أزمة كانت فرصة جديدة لكم لمزيد من السيطرة، ومزيد من النهب، ومزيد من تبرير العجز. لم تكن الأخطاء عارضة، بل كانت نهجاً. ولم يكن الفساد استثناءً، بل كان نظاماً كاملاً له حراسه وقوانينه غير المكتوبة.
سيكتب التاريخ عن ملايين العراقيين الذين عاشوا الفقر في بلد غني، وعن شباب ضاعت أعمارهم بين البطالة والهجرة واليأس، وعن أمهات ينتظرن أبناءً لم يعودوا، وعن مدن أُهملت حتى نسيت أسماء شوارعها. سيكتب عن مدارس بلا مقاعد، ومستشفيات بلا دواء، ووظائف تُشترى وتُباع، وعدالة لا تصل إلا لمن يملك النفوذ. وسيضع أسماءكم في الهامش الأسود لهذه الصفحات، لا في صدرها المشرق.
لا تحاولوا الاحتماء بالزمن، ولا بالتحالفات، ولا بتبدل الوجوه. فالتاريخ لا يهتم بالأسماء بقدر ما يهتم بالأفعال. قد تتغير مواقعكم، وقد يسقط بعضكم وينجو بعضكم مؤقتاً، لكن الوصمة واحدة: خزي التفريط بوطن. ولن تنفعكم محاولات تلميع الصورة، ولا إعادة كتابة السردية، لأن الحقيقة أبسط وأقسى: العراق لم يكن أولوية لديكم، بل كان وسيلة.
إن أخطر ما فعلتموه ليس فقط سرقة المال العام أو إفساد السياسة، بل تطبيع الفشل في وعي الناس. جعلتم المواطن يعتاد الرداءة، ويشكك في أي أمل، ويخاف من أي تغيير. قتلتم الثقة، وهي أثمن ما تملكه الأوطان. وحين تُقتل الثقة، يصبح ترميم الدولة أصعب من بناءها من الصفر. هذا هو إرثكم الحقيقي، وهذا ما سيُدرّس للأجيال القادمة كنموذج لما لا يجب أن يكون.
وحين سيقف أبناؤنا وأحفادنا أمام هذا التاريخ، لن يسألوا عن خطاباتكم، بل سيسألون: لماذا ضاع بلد كامل؟ لماذا لم يكن هناك رجال دولة حقيقيون؟ لماذا سُمح للصغار أن يتحكموا بمصير الكبار؟ وعندها، لن تجدوا إجابة تبرر ما فعلتموه. فالأعذار تسقط أمام حجم الخراب، والتبريرات تتهاوى أمام دموع الناس.
لن تكون لكم هيبة الكبار، لأن الكبار يُقاسون بما يتركونه من أثر نافع، لا بما يراكمونه من سلطة. وستبقون، مهما طال الزمن، مثالاً على قيادة بلا رؤية، وسلطة بلا أخلاق، وحكم بلا وطن. هذا ليس شتماً، بل قراءة تحليلية لمسار كامل من الإخفاق، ومسؤولية تاريخية لا يمكن الهروب منها.
التاريخ قاسٍ، نعم، لكنه عادل في النهاية. وأنتم، بكل ما فعلتموه، اخترتم موقعكم فيه بأنفسكم. ليس كقادة، ولا كأبطال، بل كتحذير دائم للأجيال القادمة: هكذا يُدمَّر الوطن حين يُسلَّم للصغار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با


.. لعبة الحروف مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر وأولاده




.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع


.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت




.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه