الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نشأة مشبوهة تختبئ خلف المظلوميّات: كيف تُصنّع قسد صدامها مع السوريين

أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)

2025 / 12 / 25
حقوق الانسان


ليست كل المظلوميّات بريئة، وليست كل الخطابات الحقوقية صادقة. ففي الحالة السورية، برزت مليشيا «قسد» كنموذج صارخ لكيان نشأ في الظل، وتغذّى على الفوضى، ثم حاول لاحقاً الاحتماء بشعارات المظلومية و«حماية المكوّنات» لتبرير وجوده ودوره الوظيفي خارج الدولة، وعلى حساب المجتمع السوري بكل مكوّناته.
من خلال التدقيق في تسلسل الوقائع، يتبيّن بوضوح أن مليشيا «قسد» تعتمد سياسة افتعالٍ متعمّد للتوتر، وتسعى بوعي كامل إلى جرّ الجيش السوري والمجتمع السوري بكل مكوّناته إلى ردّ فعل قسري، بهدف تصنيع حالة صدام يمكن توظيفها لاحقاً بوصفها «مظلومية سياسية وأمنية» تبرّر استمرار وجودها ودورها الوظيفي.
ما تمارسه قسد ليس سوء تقدير، بل مقامرة محسوبة تقوم على خلق استفزازات أمنية وإعلامية في مناطق حسّاسة، وتوسيع رقعة الاحتكاك وصولاً إلى مواجهة مفتوحة. هذه المليشيا تراهن على الحماية الخارجية وعلى الغموض الدولي، وتتصرف ككيانٍ فوق الدولة، غير معنيّ بالكلفة الوطنية أو الاجتماعية التي تترتب على سلوكها.
الأخطر أن قسد تتوهّم قدرتها على الاحتماء بتناقضات الإقليم، وتبالغ في تقدير هامش الدعم الذي قد تحصل عليه، متجاهلة أن هذا النهج يقود حتماً إلى تفجير فوضى أمنية لن تكون قادرة على التحكم بمساراتها، حتى لو جرى احتواؤها لاحقاً. الفوضى ليست ورقة ضغط ذكية، بل مسار انتحاري سياسياً وأمنياً.
كما في منتصف عام 2011، حين أعلن نظام الأسد حربه المفتوحة على الثورة السورية، ظهرت في الجزيرة مليشيات حملت زوراً اسم «لجان الحماية الكردية». هذه التشكيلات لم تكن يوماً معنية بالحماية، بل استخدمت الشعار غطاءً لبطشها بكل من وقف إلى جانب الثورة، من سوريين وأكراد على حدّ سواء.
وفيما بعد، أعادت هذه اللجان إنتاج نفسها تحت مسمّى «قوات سوريا الديمقراطية»، متدثّرة بشعارات «الأمة الديمقراطية»، لتستمر منذ ذلك التاريخ كأداة وظيفية بيد الولايات المتحدة، وتبني سردية مستقلة عنوانها الدائم «الحرب على داعش».
والواقع أن تنظيم داعش لم يكن ظاهرة عصيّة على التفكيك، بل كان بالإمكان تجفيف مصادر دعمه ومنع تمدده، لا تحويله إلى ذريعة دائمة لتكريس كيان ميليشياوي خارج الدولة، وتمديد أمد السيطرة المسلحة تحت غطاء دولي.
اليوم، ومع حدوث تقاطعات أمنية محدودة وانتقائية بين الحكومة السورية والولايات المتحدة في عدد من الملفات، بدأت مليشيا قسد تتحسّس اقتراب نهاية دورها الوظيفي، فاندفعت إلى إعادة تقديم نفسها كقوة مستقلة.
مرة تحت شعار ما تسميه «أمة ديمقراطية»، في محاولة لادّعاء تمثيل وإدارة منطقة الجزيرة وشمال شرق الفرات ذات الغالبية العربية، ومرة أخرى بذريعة «حماية المكتسبات»، وهي مكتسبات تحققت خلال سنوات كانت فيها هذه المليشيا شريكاً موضوعياً في ترسيخ وقائع فرضها نظام بشار الأسد بالقوة.
وفي هذا السياق، لم تكتفِ مليشيا قسد بمحاولات إعادة تسويق نفسها داخل مناطق سيطرتها، بل اندفعت إلى استثمار ملف المكوّنات السورية الأخرى خارج هذه المناطق، ولا سيما في الساحل والسويداء، عبر خطاب انتقائي يهدف إلى تقديمها كمرجعية سياسية وأمنية عابرة للجغرافيا.
وتُظهر معطيات ميدانية متقاطعة وجود عناصر مرتبطة ببقايا نظام بشار الأسد داخل مناطق خاضعة لسيطرة هذه المليشيا، في مشهد يكشف طبيعة التحالفات البراغماتية التي لا تتردد قسد في نسجها كلما اقتضت مصلحتها ذلك، ويؤكد أن خطاب «المظلومية» و«حماية المكوّنات» ليس سوى غطاء سياسي لتكريس واقع ميليشياوي منفلت.
اليوم تغيّرت المعادلة. ويؤكد السوريون، مرة أخرى، أنهم ليسوا دعاة حرب، ولم يختاروا المواجهة خياراً أولياً. غير أن التجربة القريبة تثبت أن فرض الصدام بالقوة لا يؤدي إلى حياد المجتمع، بل يدفعه إلى الاصطفاف دفاعاً عن النفس وعن وحدة البلاد، مهما بلغت درجة الخلافات السياسية.
في هذا المشهد، لا يمكن تجاهل ازدواجية الموقف الأمريكي، حيث تدير واشنطن سياسة توازن هش: تتعامل مع حكومة دمشق وتثني على التحولات الايجابية، فيما تواصل في الوقت ذاته دعم مليشيا انفصالية بالسلاح والغطاء السياسي. هذا السلوك لا يعكس حرصاً على الاستقرار، بل استخداماً انتهازياً للأزمة السورية كورقة ضغط مفتوحة.
أما الموقف التركي، فيتسم بصمتٍ محسوب ومراوغة سياسية، إذ لم تُعلن أنقرة التزاماً واضحاً بضبط المسار الأمني ضمن الإطار الصريح لاتفاقية أضنة، واكتفت بترك الباب موارباً أمام تدخلات متدرجة، ما يُبقي بؤر التوتر قابلة للاشتعال بدل معالجتها جذرياً.
إن ما تقوم به مليشيا قسد اليوم لا يمتّ بصلة إلى الدفاع عن حقوق الأكراد، ولا إلى ما تسميه «الأمة الديمقراطية». هذه ليست سوى شعارات دعائية تُستخدم لتجميل واقع مليشيا منفلتة تحتل أرضاً سورية، وتلعب بالنار على حساب السوريين جميعاً، بكل مكوّناتهم.
والرهان على الفوضى أو الحماية الخارجية لن يغيّر حقيقة واحدة:
أي مسار يُفرض بالقوة، خارج الدولة، سينتهي بالتصادم معها، وبخسارة من أشعل الشرارة أولاً.


* ينُشر في وقت واحد بالتزامن مع نشطاء الرأي








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأمم المتحدة: قلق إزاء هجوم طائرة مسيرة على شاحنات برنامج ا


.. شبكات | سيول مرعبة تجرف خيام النازحين بإدلب




.. الرابعة | مركز الملك سلمان للإغاثة يدشن قسم العمليات بمستشفى


.. الرابعة | مجلس التعاون: استهداف قوافل الإغاثة في السودان انت




.. أطفال المهاجرين في مينيابوليس يلزمون منازلهم خوفا من شرطة ال