الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لا نزعَ للسلاح في دولةٍ بلا دولة ، الحشد الشعبي كدولة داخل الدولة، ومأزق النظام السياسي في العراق
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2025 / 12 / 26مواضيع وابحاث سياسية
تُواصل الولايات المتحدة الأمريكية مطالبتها المتكرّرة للحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة، بوصف ذلك شرطًا جوهريًا لبناء الاستقرار وترسيخ السيادة. غير أن هذا الخطاب، على الرغم من وجاهته النظرية، ينطوي على تناقضٍ واضح مع الواقع العراقي القائم، واقعٍ لا يمكن لأي قراءة سياسية جادّة أن تتجاهله.
فالعراق اليوم لا تحكمه دولة واحدة ذات مرجعية موحّدة، بل نظام سياسي مركّب تتداخل فيه السلطات الرسمية مع قوى مسلّحة تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. وفي ظل هذا السياق، تبدو المطالبة بحصر السلاح أقرب إلى خطابٍ معياريٍّ معزول عن شروط تطبيقه، أو إلى محاولة لإدارة أزمة مزمنة بدل الاعتراف بجذورها البنيوية.
الدولة بوصفها كيانًا ناقص السيادة
منذ عام 2003، لم يتشكّل النظام السياسي العراقي على أساس مشروع دولة وطنية حديثة، بل أُسِّس على منطق المحاصصة الطائفية والإثنية، التي حوّلت الدولة إلى مساحة لتقاسم النفوذ، لا إلى إطار جامع للمواطنة. وفي هذا السياق، لم تعد الحكومة مركز القرار الوحيد، بل أصبحت واحدة من عدة مراكز، تتقاسم السلطة مع قوى تمتلك السلاح والشرعية الموازية.
إنّ مطالبة حكومة كهذه بفرض سيادة كاملة على السلاح تتجاهل حقيقة أن جزءًا من بنيتها السياسية مرتبط عضويًا بالقوى المسلحة، سواء عبر التحالفات أو الانتماءات أو التوازنات المفروضة. وهكذا، تغدو الدولة مطالَبة بما لا تملك أدواته، وتتحوّل السيادة إلى مفهومٍ نظريٍّ أكثر منه ممارسة فعلية.
الحشد الشعبي: من حالة استثنائية إلى دولة داخل الدولة
يُمثّل الحشد الشعبي النموذج الأوضح لاختلال العلاقة بين الدولة والسلاح في العراق. فقد نشأ هذا التشكيل في ظرفٍ أمني استثنائي، لكنه لم يُفكّك بانتهاء ذلك الظرف، بل جرى تثبيته وتحويله إلى كيان دائم، يحمل صفة قانونية من دون أن يخضع، في ممارساته الفعلية، لمنطق الدولة الوطنية.
ومع مرور الوقت، لم يعد الحشد مجرد قوة عسكرية رديفة، بل تحوّل إلى بنية شبه دولية داخل الدولة: يمتلك مؤسساته، وموارده، وخطابه السياسي، ونفوذه الاجتماعي، فضلًا عن حضوره المباشر في البرلمان والحكومة. وقد أدّى ذلك إلى نشوء ازدواجية واضحة في السلطة والسيادة، حيث باتت الدولة الرسمية تتعايش مع دولة موازية، تتقاطع معها أحيانًا، وتتفوق عليها أحيانًا أخرى.
الأخطر من ذلك أن جزءًا وازنًا من الحشد لا يستمد مرجعيته النهائية من بغداد، بل من مشروع إقليمي تقوده إيران، أيديولوجيًا وسياسيًا. وبهذا المعنى، لم يعد السلاح في العراق شأنًا داخليًا فحسب، بل أداة ضمن صراع إقليمي أوسع، تُستخدم فيه الساحة العراقية بوصفها مجالًا للتنافس وتبادل الرسائل.
استحالة تسليم السلاح في ظل البنية القائمة
يُطرح تسليم سلاح المليشيات إلى الجيش بوصفه حلًا تقنيًا، غير أن التجربة العراقية تُظهر أن هذه الفكرة تصطدم بجدار الواقع. فالسلاح في العراق لم يعد مجرد أداة أمنية، بل تحوّل إلى رأسمال سياسي، ومن دونه يفقد الفاعل المسلح موقعه داخل منظومة السلطة.
كما أن الجيش نفسه لم يُبنَ، في ظل نظام المحاصصة، كمؤسسة محايدة بالكامل، بل خضع لتوازنات سياسية معقّدة. وفي هذا السياق، لا يُفضي الحديث عن تسليم السلاح إلى تفكيك الظاهرة، بل إلى إعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة نفسها، من دون معالجة أصل الأزمة.
النظام السياسي بوصفه أصل المأزق
إن التركيز على ملف السلاح، بمعزل عن البنية السياسية التي أنتجته، يعكس قراءة قاصرة للأزمة العراقية. فالمليشيات ليست سببًا مستقلًا، بل نتيجة مباشرة لنظام سياسي مشلول، عجز عن إنتاج دولة مواطنة، وربط الشرعية بالقوة، لا بالقانون.
ما دام هذا النظام قائمًا، فإن كل دعوات الإصلاح ستظل محدودة الأثر، لأن الدولة لا يمكن أن تُبنى فوق أسس صُمّمت أصلًا لإضعافها. فالسلاح سيبقى، والنفوذ الخارجي سيستمر، والسيادة ستظل منقوصة، مهما تغيّرت الوجوه والشعارات.
خاتمة: بين الدولة والدولة المضادة
يقف العراق اليوم أمام معادلة واضحة لا تقبل الالتباس:
إما دولة واحدة تحتكر القرار والسلاح،
أو استمرار دولة داخل الدولة، تتعايش معها السلطة الرسمية في حالة من العجز الدائم.
إن الإصرار على معالجة النتائج، وتجاهل البنية التي أنتجتها، لن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة. فالعراق ليس ساحة تجارب سياسية، ولا ملفًا أمنيًا مؤجلًا، بل وطنٌ يتآكل تحت ثقل نظامٍ لم يعد قادرًا على الاستمرار من دون سلاح يحميه.
ولا يمكن الحديث عن سيادة حقيقية، ما لم تُحسم العلاقة بين الدولة والدولة المضادة، وبين الشرعية الدستورية والشرعية المسلحة. فهنا، تحديدًا، يتقرّر مصير العراق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بوتين يلتقي مبعوثي ترامب في موسكو ويأمر بوقف قصف كييف 3 أيام
.. ما وراء الخبر - دبلوماسي أوكراني سابق يكشف أسباب -فشل وساطة
.. جزيرة خارك.. بوابة النفط الإيراني التي هدد ترمب بالسيطرة علي
.. الحرس الثوري يستهدف سفنا أمريكية رغم تحذيرات واشنطن
.. الحرس الثوري: على السفن تجنب العبور من الممرات غير المسموح ب