الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من الريع إلى القيمة: كيف يمكن للعراق أن يبني إستراتيجية واقعية لزيادة وارداته غير النفطية ؟
عامر عبد رسن
2025 / 12 / 26الادارة و الاقتصاد
لم تعد التجربة السعودية في تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة الصادرات غير النفطية مجرد نجاح قطاعي أو ظرفي، بل باتت نموذجا مكتمل الأركان لاقتصاد يعيد تعريف مفهوم الثروة،
وينقل الدولة من منطق بيع الموارد إلى منطق صناعة القيمة.
وإذا كان السؤال في السعودية اليوم: كيف نحول الطاقة إلى منصة للسيادة التقنية؟
فإن السؤال العراقي الملح هو:
كيف نكسر القيد التاريخي لريع النفط، ونبني موارد سيادية غير نفطية مستدامة؟
أولا: الدرس الجوهري من التجربة السعودية ؛ التنويع ليس قطاعا… بل منظومة قرار : تكشف بيانات التجارة الخارجية السعودية عن حقيقة اقتصادية بالغة الأهمية:
• نمو الصادرات غير النفطية بنسبة تفوق 30% سنويًا
• ارتفاع إعادة التصدير بأكثر من 130%
• تراجع الوزن النسبي للنفط في الصادرات الإجمالية
• توسّع الفائض التجاري رغم زيادة الواردات
هذه المؤشرات لا تعكس نشاطا تجاريا، بل تحولا في فلسفة الاقتصاد الوطني.
فالاقتصاد السعودي لم يكتف بدعم الصناعة أو اللوجستيات، بل أعاد هندسة موقعه في سلاسل القيمة العالمية، من الطاقة إلى الرقائق، ومن الموانئ إلى مراكز البيانات.
وهنا يكمن الدرس للعراق: التنويع لا يبدأ بالمصانع، بل يبدأ بقرار سيادي يعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد العالمي.
ثانيًا: المشكلة العراقية ليست نقص الموارد… بل سوء التموضع
العراق يمتلك:
• طاقة رخيصة (نفط + غاز + إمكانات طاقة شمسية)
• موقعا جغرافيا نادرا (حلقة وصل بين آسيا وأوروبا)
• سوقًا محلية كبيرة
• فوائض مالية نفطية متراكمة
• طلبًا إقليميا عاليا على الخدمات والمنتجات
ومع ذلك، تبقى الواردات غير النفطية العراقية ضعيفة، ومحدودة القيمة، لأسباب بنيوية، أهمها:
1. غياب استراتيجية تصديرية وطنية
2. اقتصاد مستهلك لا منتج
3. ضعف الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد
4. غياب الصناعات القابلة للتصدير
5. فصل الطاقة عن الصناعة والتقنية
6. الخوف المزمن من الاقتصاد المفتوح بدل إدارته
ثالثا: التحول العالمي… من النفط إلى الرقاقة ؛ لماذا هذا التوقيت مثالي للعراق؟
العالم يشهد تحولا تاريخيا:
• الرقائق الإلكترونية = نفط العصر
• الذكاء الاصطناعي = محرك النمو العالمي
• الطاقة الرخيصة = شرط السيادة التقنية
• سلاسل الإمداد = سلاح اقتصادي
السعودية قرأت هذا التحول مبكرا، وربطت:
النفط → الكهرباء → مراكز البيانات → الذكاء الاصطناعي → الصادرات
أما العراق، فما زال يبيع النفط خاما، ثم يستورد:
• المعدات
• التكنولوجيا
• الخدمات
• حتى الكهرباء
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
رابعا: ما الذي يمكن للعراق تصديره فعليا؟
خارطة أولية للموارد غير النفطية
بناء على المعطيات العالمية والإقليمية، يمتلك العراق فرصا حقيقية في:
1. إعادة التصدير والخدمات اللوجستية
• موانئ الجنوب
• طريق التنمية
• التخزين، الترانزيت، التوزيع الإقليمي
• العراق يمكن أن يكون منصة عبور لا مجرد سوق استهلاك
2. الصناعات كثيفة الطاقة
• الألمنيوم
• الأسمدة
• البتروكيمياويات
• الهيدروجين الأزرق مستقبلا
الطاقة الرخيصة يجب أن تتحول إلى صادرات، لا إلى دعم استهلاك.
3. مراكز بيانات إقليمية
• استضافة الحوسبة
• الذكاء الاصطناعي
• التخزين السحابي
• العراق يملك الطاقة والموقع… وينقصه القرار
4. الصناعات الغذائية والزراعية المعالجة
• لا تصدير خام
• بل سلاسل قيمة غذائية
• تعبئة، تصنيع، علامة تجارية
5. الخدمات الرقمية العابرة للحدود
• برمجيات
• خدمات مالية
• منصات لوجستية
• Outsourcing إقليمي
خامسا: من أين نبدأ؟ خمسة قرارات سيادية لا غنى عنها
1. تحويل وزارة النفط إلى وزارة قيمة مضافة ؛ ليس المطلوب زيادة الإنتاج، بل:
• ربط النفط بالصناعة
• ربط الغاز بالكهرباء
• ربط الكهرباء بالتقنية
2. إنشاء مجلس أعلى لتنويع الواردات
• مستقل
• مرتبط برئيس الوزراء
• بصلاحيات تنفيذية لا استشارية
3. ربط الطاقة بالتصدير
كل مشروع طاقة يجب أن يسأل: ماذا سيصدر بسببه؟
4. شراكات دولية ذكية لا استهلاكية ؛ كما فعلت السعودية:
• شراكات مع شركات تقنية
• نقل معرفة
• توطين سلاسل قيمة
• لا مجرد استيراد معدات
5. إعادة تعريف دور الدولة
• منظم
• شريك
• حاضن
الدولة: لا منافس ولا مستهلك.
سادسا: المخاطر إن لم نتحرك : إذا لم يتحرك العراق الآن:
• سيتراجع الطلب على النفط خلال عقدين
• ستتآكل فوائضه المالية
• سيبقى تابعا تقنيا
• وستتحول البطالة إلى أزمة سياسية
بينما التحرك الذكي الآن يعني:
• موارد غير نفطية مستقرة
• وظائف نوعية
• سيادة اقتصادية
• وزن تفاوضي إقليمي ودولي
ختاما : ليست معجزة… بل خيار ؛ ما فعلته السعودية لم يكن معجزة، بل خيارا استراتيجيا، بني على:
• وضوح الرؤية
• شراكات ذكية
• ربط الطاقة بالقيمة
• احترام الزمن الاقتصادي
والعراق، إن امتلك الشجاعة السياسية ذاتها، قادر ليس فقط على زيادة وارداته غير النفطية، بل على إعادة تعريف موقعه في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
المستقبل لا ينتظر المترددين، بل يكافئ من يحول المورد إلى قيمة، والقرار إلى سيادة اقتصادية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة
.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على
.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،
.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب
.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف