الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تشريح خطاب السلطة ولغة الجسد

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 26
مواضيع وابحاث سياسية


في المشهد السياسي العراقي، لا تكمن المشكلة الكبرى في نقص المشاريع أو غياب الوعود، بل في الطريقة التي يُخاطَب بها الناس. اللغة التي يستخدمها الساسة عند افتتاح المشاريع أو توجيه الرسائل العامة ما تزال لغة تقليدية، خشبية، لا تنتمي إلى وعي العراقيين اليوم ولا إلى مستوى شكوكهم وأسئلتهم العميقة. هي لغة تبدو وكأنها آتية من زمن آخر، تُلقى على جمهور صار أكثر حذرًا، أقل انبهارًا، وأكثر قدرة على تفكيك الخطاب وكشف خوائه.
لغة الخطاب السياسي في العراق تعتمد في الغالب على التعميم، وتجنّب التحديد، والإكثار من المفردات الفضفاضة مثل “النهضة”، “الرؤية”، “الالتزام”، “العمل الدؤوب”، وهي مفردات فقدت معناها التداولي بفعل الإفراط في استخدامها. السياسي حين يقف على المنصة لا يخاطب عقل المواطن بل يحاول ملء الفراغ الكلامي، فيتحدث كثيرًا دون أن يقول شيئًا محددًا. لا أرقام واضحة مرتبطة بحياة الناس، لا اعتراف بالأخطاء، لا لغة مساءلة ذاتية. كل شيء مصاغ بصيغة إنشائية ترفع المسؤول عن أي التزام مباشر، وكأن الخطاب مكتوب ليفلت من المحاسبة قبل أن يصل إلى الأذن.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يُلقى بوصفه حوارًا مع المجتمع، بل كبيان فوقي. المتكلم لا يتحدث إلى الجمهور، بل فوق الجمهور. نبرة الصوت غالبًا أحادية، مرتفعة قليلًا، خالية من التلوين العاطفي الصادق. لا يوجد وعي بالإيقاع، ولا احترام لذكاء المستمع. السياسي يتعامل مع الحضور بوصفه كتلة صامتة، لا بوصفه شركاء في الفهم أو النقد. وهذا ما يجعل الخطاب يبدو متعاليًا حتى حين يتحدث عن “خدمة المواطن”.
أما لغة الجسد، فهي لا تقل فقرًا عن اللغة اللفظية. في معظم افتتاح المشاريع، يقف المسؤول بكتفين مشدودتين، وصدر متقدم قليلًا، وهي وضعية تعكس رغبة في إظهار السلطة أكثر من الرغبة في التواصل. حركة اليدين تكون إما مبالغًا فيها بلا انسجام مع المعنى، أو شبه غائبة، مكتفية بالإشارة العامة أو القبضة المغلقة التي توحي بالتأكيد القسري لا بالإقناع. العينان نادرًا ما تبحثان عن تواصل حقيقي مع الجمهور، وغالبًا ما تتجهان إلى الورقة أو إلى نقطة ثابتة في الفراغ، ما يوحي بانفصال ذهني بين المتكلم ومن أمامه.
حتى الابتسامة، حين تظهر، تكون ابتسامة بروتوكولية لا تحمل حرارة إنسانية. ابتسامة تُستخدم للكاميرا لا للناس. الجسد هنا يؤدي دورًا تمثيليًا، لا تواصليًا. السياسي يبدو وكأنه يؤدي واجبًا رسميًا ثقيلًا، لا لحظة تفاعل مع حدث يفترض أن يكون مهمًا ومفرحًا. هذا الانفصال الجسدي يعكس انفصالًا أعمق: انفصال بين السلطة والشارع، بين الخطاب والواقع.
الشاهد الذي يراه أي متابع بسيط هو رد فعل الجمهور. العيون الشاردة، الانشغال بالهواتف، الهمس الجانبي، أو حتى المغادرة المبكرة. هذه ليست قلة احترام، بل تعبير صامت عن فقدان الثقة. الجمهور العراقي لا يرفض المشاريع، بل يرفض اللغة التي تُقدَّم بها. يرفض أن يُخاطَب وكأنه لا يفهم، أو كأنه لا يتذكر. فالتجربة علّمته أن الكلمات الكبيرة لا تعني بالضرورة أفعالًا كبيرة، وأن الخطاب المنمّق غالبًا ما يخفي عجزًا أو تردّدًا.
غياب الإلمام بالبروتوكولات الحديثة للخطاب السياسي لا يظهر فقط في النص، بل في إدارة اللحظة نفسها. التوقيت الخاطئ، الإطالة المملة، تجاهل السياق النفسي والاجتماعي للجمهور، كلها مؤشرات على أن السياسي لم يتدرّب على فن الخطاب بوصفه أداة تواصل، بل بوصفه إجراءً إداريًا. في الدول التي تحترم علاقتها بمواطنيها، يُصاغ الخطاب ليكون قصيرًا، محددًا، مرتبطًا بالواقع، وتُدرَّب لغة الجسد لتكون متناغمة مع الصدق، لا مع السلطة.
في العراق، ما يزال السياسي يعتقد أن الوقوف على المنصة يمنحه تلقائيًا الهيبة، وأن الكلمات الرسمية تفرض الاحترام. لكنه لا يدرك أن الهيبة اليوم تُكتسب بالمصارحة، وأن الاحترام يولد من الشعور بأن المتكلم يفهم ما يقوله ويؤمن به. حين تكون لغة الجسد متوترة، والنبرة مصطنعة، والمفردات مكررة، فإن الرسالة تسقط مهما كان المشروع مهمًا.
المشكلة إذن ليست تقنية فقط، بل ثقافية. ثقافة سياسية لم تنتقل بعد من عقلية “الخطاب السلطوي” إلى “الخطاب التشاركي”. لم تدرك بعد أن المواطن لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل ناقدًا ومحللًا ومقارنًا. كل حركة، كل نظرة، كل كلمة باتت تُقرأ وتُفسَّر وتُحاسَب.
من دون مراجعة جذرية للغة الخطاب ولغة الجسد معًا، سيبقى السياسي العراقي حاضرًا شكليًا، غائبًا معنويًا. سيبقى صوته مسموعًا في مكبرات الصوت، لكنه لن يصل إلى القلوب ولا إلى العقول. وحين تفشل اللغة في بناء الثقة، تصبح المشاريع نفسها بلا روح، مجرد إسمنت وحديد بلا معنى اجتماعي. العراق لا يحتاج فقط إلى مشاريع تُفتتح، بل إلى خطاب يُصدَّق، وجسد سياسي يتعلم أخيرًا كيف يقف أمام الناس لا فوقهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب رئيسة وزراء اليابان يتجه لاستعادة الأغلبية البرلمانية إث


.. الحل الدبلوماسي أم الخيار العسكري؟... استمرار المفاوضات بين




.. إسرائيل تتمسك بضرورة الحد من الصواريخ البالستية الإيرانية وت


.. سوريا والسعودية توقعان سلسلة اتفاقات بينها إنشاء شركة طيران




.. إيران تتمسك بالتخصيب وإسرائيل تتحرك.. هل يقنع نتنياهو ترامب