الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هكذا تُربّى الأجيال: حين يقف التلميذ لأن الفساد جلس مكانه
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 27
التربية والتعليم والبحث العلمي
كشفت مقاطع فيديو متداولة ما كان مكشوفاً أصلاً، لكنها هذه المرة بلا أقنعة: تلاميذ يقفون في الصفوف لأن المدارس لا تملك مقاعد كافية، أطفال يحملون دفاترهم ويبحثون عن مكان للجلوس، فيما السبورة ثابتة والكرسي غائب، وكأن الجلوس صار امتيازاً لا حقاً. هذه ليست لقطات من زمن الحروب ولا من بلدان منكوبة بالكوارث الطبيعية، بل من مدارس دولة تُعلن كل عام عن موازنات ضخمة وتخصيصات “لإصلاح التعليم” و”رعاية الأجيال”.
المشهد صادم لأنه بسيط حد الفضيحة: مقعد دراسي مفقود. ليس مختبراً نووياً ولا بنية تكنولوجية معقدة، بل قطعة خشب وحديد. وحين تعجز الدولة عن توفير مقعد لطفل، فإنها تعلن إفلاسها الأخلاقي قبل المالي، وتقرّ بأن الفساد جلس على الكراسي كلها ولم يترك للتلاميذ سوى الأرض أو الوقوف.
السكوت الحكومي على هذه المقاطع ليس أقل فظاعة من المشهد ذاته. الصمت هنا شراكة، والتجاهل اعتراف ضمني بأن ما يحدث طبيعي، وأن وقوف الأطفال لساعات تحت شعار “التحمل” و”الصبر” جزء من المنهاج غير المكتوب. هكذا تتحول المدرسة من فضاء للتعلم إلى أول درس عملي في الإذلال، وأول تمرين على قبول النقص بوصفه قدراً لا جريمة.
الأموال موجودة، هذا ما تؤكده الموازنات والبيانات الرسمية، لكن المقعد غير موجود. بين الرقم في الورق والكرسي في الصف مسافة اسمها الفساد. هناك من جلس على المال، ومن جلس على القرار، ومن جلس على الضمير، ولم يبقَ للتلميذ سوى أن يقف. الفساد هنا ليس مجرد سرقة، بل إعادة هندسة للظلم: طفل بلا مقعد، معلم محبط، مدرسة متهالكة، ومستقبل يُربّى على فكرة أن الدولة غائبة إلا حين تجبي أو تعاقب.
أي جيل نرعاه بهذه الطريقة؟ جيل يتعلم منذ سنواته الأولى أن حقه مؤجل، وأن صوته لا يُسمع، وأن صوره في الهاتف لا تحرك مسؤولاً. جيل يُدرَّس عملياً أن الصبر فضيلة حين يتعلق الأمر به، وأن الفشل العام لا يُحاسَب عليه أحد. هذه ليست تربية، بل إعداد نفسي لقبول القهر، وتطبيع مبكر مع اللاعدالة.
المدرسة مرآة الدولة، وحين تكون بلا مقاعد فهي تعكس دولة بلا مقومات احترام الإنسان. وحين يُترك الأطفال واقفين، فإن الرسالة أبلغ من ألف خطاب: لا مكان لكم الآن، وربما لا مكان لكم لاحقاً. هكذا تتم رعاية الأجيال في زمن الفساد؛ لا بالعلم، بل بالتعوّد على النقص، لا بالقيم، بل بتبرير العجز، ولا بالمستقبل، بل بترويضه على الانكسار.
ما نحتاجه ليس بيانات استنكار ولا لجاناً مؤقتة، بل محاسبة حقيقية تعيد المقعد إلى مكانه الطبيعي، وتعيد للطفل إحساسه بأنه مواطن صغير لا عبء مؤقت. فالأمم التي تسرق من مدارسها، تسرق من أعمارها القادمة، وحين يكبر هؤلاء الأطفال، لن يسألوا عن المناهج بقدر ما سيتذكرون درسهم الأول: وقفنا لأن الفساد كان جالساً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الوقاية والحفاظ على صحة الكلى | صحتك بين يديك
.. هل انتهى المشروع السياسي لحماس؟
.. على ماذا يركز اليوم الثاني من منتدى الجزيرة؟
.. أبرز ملفات نقاشات اليوم الثاني من منتدى الجزيرة
.. هل نشهد نهاية نظام الأحادية القطبية وصعود قوى بديلة؟