الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الذئب بوصفه شماعة الخطيئة: قراءة في قلب الحكاية
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 27
الادب والفن
في الحكايات الشعبية، لا يُسأل الراوي عن عدالته، بل عن قدرته على الإقناع. هكذا وُلد الذئب شريرًا، لا لأنه افترس، بل لأنه وُضع دائمًا في موقع المتهم الجاهز. وحين تلعب الحكومات دور «ليلى» في قصة ليلى والذئب، فإنها لا تفعل ذلك ببراءة الطفولة، بل بدهاء السلطة؛ تتقن ارتداء ثوب الضحية بينما هي في الحقيقة من عاثت بالغابة تدميرًا، وقطعت الأشجار، وسمّمت المياه، ثم صرخت بأعلى صوتها: الذئب فعلها.
في النسخة الحكومية من الحكاية، الذئب هو الفساد الصغير، الموظف الهش، المواطن المتمرّد، أو حتى “الظرف الخارجي”. أما ليلى ــ أي السلطة ــ فهي دائمًا بريئة، ساذجة، مخدوعة، لا تعرف كيف تحوّلت الغابة إلى خراب. كل محاولات الذئب، إن وُجدت، لتصحيح المسار أو التحذير من الانهيار، تُفسَّر بوصفها نوايا عدوانية. فالنصيحة تُعد تهديدًا، والاحتجاج يُصنَّف فوضى، والكلمة الحرة تُؤوَّل كعضّة.
هذا الانقلاب في السرد ليس جديدًا. فالتاريخ نفسه متواطئ مع هذه الخدعة. أولاد يعقوب لم يقولوا لأبيهم: نحن خنّاه وبعناه، بل اختصروا الجريمة في جملة واحدة: أكله الذئب. منذ تلك اللحظة، صار الذئب وظيفة سردية، لا كائنًا حيًا. وظيفة تمتص الذنب وتُريح الضمير الجمعي من مواجهة الحقيقة. وهكذا توارثنا الذئب كشماعة أخلاقية نعلّق عليها فشلنا، وخيانتنا، وسوء إدارتنا.
الفلسفة هنا لا تُدافع عن الذئب بوصفه بريئًا مطلقًا، بل تسأل السؤال الأخطر: من يملك حق تعريف الشر؟ هل الشر هو من يكشف الخراب، أم من يصنعه ثم يخفيه؟ هل الذئب شرير لأنه يفترس ليعيش، أم ليلى أكثر شراسة حين تدمّر الغابة ثم تطلب التصفيق؟ في منطق السلطة، الشر ليس فعلًا، بل صفة تُلصق بالآخر. وحين تُلصق الصفة، تُلغى الحاجة إلى الدليل.
المجتمع الذي يصدّق هذه الحكاية يعيش في طفولة دائمة. يفضّل قصة بسيطة على حقيقة معقّدة، وعدوًا واضحًا على مسؤولية جماعية. ولذلك تستمر الحكومات في لعب دور ليلى، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تعرف أن الجمهور تعلّم أن يبكي مع ليلى، لا أن يسألها: لماذا كنتِ وحدكِ في الغابة؟ ومن قطع الطريق؟ ومن باع الأشجار؟
إن أخطر ما في هذه الحكايات ليس تشويه صورة الذئب، بل تدريب الوعي على قبول الكذب الجميل. حينها يصبح الذئب رمزًا لكل من يُراد إسكاتُه، وتصبح ليلى رمزًا لكل سلطة تتقن فن لعب الضحية. وفي النهاية، لا يبقى من الغابة سوى حكايات، ولا من الحقيقة سوى سؤال مُحرِج:
كم جريمة أخرى سنرتكبها باسم الذئب، قبل أن نعترف أن ليلى لم تكن بريئة يومًا؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با
.. لعبة الحروف مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر وأولاده
.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع
.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت
.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه