الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين النار والثلج : سيرة انسان

عماد الطيب
كاتب

2025 / 12 / 28
الادب والفن


أحياناً يسكن الإنسان نقيضاه في اللحظة نفسها، كأن روحه ساحة تتقاطع فيها النار بالثلج دون أن يذوب أحدهما أو ينتصر الآخر. شيء يشبه وجود بركان يتنفس تحت الجلد، يتقد بشهوة الحياة، يثور على الصمت، يريد أن يقول كل ما أُخفي، وفي الوقت نفسه جليدٌ كثيف يكسو القلب بطبقاته الهادئة، يُعلّم صاحبه أن يتماسك، أن يبتلع صرخاته، وأن يواجه العالم بوجهٍ بارد لا يشي بما يدور في الأعماق.
هذا الازدواج الغريب ليس ضعفاً، بل تجربة وجودية يعيشها كل من تعلّم الحياة بالطريقة الصعبة. فالذي ذاق الخيبات يعرف كيف يشتعل قلبه غضباً وحنيناً وشوقاً، لكنه يتجمّد خارجياً حتى لا يُرى ضعيفاً. والإنسان الذي عرف الحب حتى حدود الإدمان، ثم فقده، يبقى محتفظاً بجمره الداخلي، لكنه يتظاهر بالبرود كي لا ينهار في لحظة واحدة.
إن وجود بركان وجليد في شخص واحد يعني أنك حملت أكثر مما كان يجب، وأنك خضت حروباً في داخلك قبل أن تحارب أحداً خارجه. وهو يعني أيضاً أنك لا تريد أن تُؤذي، لكنك لا تريد أن تُؤذى مرة أخرى. لذلك تبقى نارك حبيسة صدرك، وجليدك حارساً يمنع الآخرين من الاقتراب أكثر مما يجب.
هذا التناقض يخلق نوعاً من الجمال الموجوع. فالنار تُعلّمك الشغف، وتذكّرك أنك ما زلت قادراً على الحب والدهشة .والدهشة الثانية بعد كل سقوط. أما الجليد، فهو يمنحك حكمة الخسارات، ويجعلك تعرف حدودك وحدود الآخرين، وتعيد ترتيب قلبك بطريقة لا تسمح بانكسارات مجانية.
بعض الناس يرونك صامتاً فيظنون أنك جامد، ولا يعرفون أن حولك ضجيجاً لو نطق لاهتزت الأرض. وبعضهم يلمح في عينيك جمراً خافتاً فيظن أن فيك قسوة، وهم لا يدركون أنك أطفأت نصفك كي تُبقي نصفك الآخر حيّاً.
إن أصعب ما في هذا المزيج هو أنك لا تستطيع أن تكون بارداً تماماً ولا مشتعلاً بالكامل. تظلّ معلّقاً بين حالة وأخرى، تتقلّب مثل لوحة سريالية لا يستطيع أحد تفسيرها. لكنك، رغم كل التناقضات، تعرف حقيقتك جيداً: أنت تحاول النجاة.
ربما لا يفهمك كثيرون، وربما لن يقترب إليك إلا من يشبهك، ذلك الذي يعرف معنى أن يكون القلب غرفة فيها نار وجليد، وأن يبقى الإنسان رغم ذلك قادراً على الحب… ولو من بعيد، وقادراً على الصمت… ولو كان يصرخ من الداخل.
وفي النهاية، أنت لست مضطراً لتفسير هذا الخليط لأحد. يكفي أنك تعرف كيف تشعل طريقك حين ينطفئ كل شيء، وكيف تبرد حين تحرقك الحياة أكثر مما يجب. أنت صنيعة البركان الذي لا يخمد، والجليد الذي لا يذوب، وهذا وحده كافٍ ليجعلك إنساناً أكثر عمقاً مما يظنه العالم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد يفتتح معرض البحرين السنوي للف


.. تفاعلكم | الفنان منير مكرم يرد على انتقادات -إعلان المدافن-




.. تفاعلكم | قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة وتكشف دوافعه


.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة وتحكي تفاصيل اليوم أما




.. العدل السورية تنشر جانبا من وقائع تمثيل مقتل الفنانة السورية