الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يُطارَد الصوت الفلسطيني: بيسان عدوان بين منافي الجغرافيا ومحاكم الخطاب
محمد فرحات
2025 / 12 / 29حقوق الانسان
كتبه، محمد فرحات.
ليست البداية هنا متفائلة، ولا يمكن لها أن تكون.
فالتجربة، حين تتكرر، تفقد براءتها، وحين يُعاد المشهد نفسه بأدوات مختلفة، يصبح اليأس جزءًا من الوعي لا من المزاج.
ومع ذلك، ثمّة أمل غامض، عنيد، لا يُرى بوضوح، لكنه يصرّ على البقاء، كأنّه آخر ما يتبقى للضحايا حين تُغلق أمامهم المنابر وتُصادَر أصواتهم.
بيسان عدوان لم تُطرَد من مصر رسميًا، لكنها أُقصيت فعليًا.
أُبعدت لا لخطأ قانوني، ولا لتجاوز مهني، بل لأنها كانت نابهة أكثر مما ينبغي، وناشرة قوية، وكاتبة لا تقبل أن تُخفّف لغتها لتناسب ذوق السلطة أو حساسياتها.
غادرت مصر محمّلة بتجربة مبكرة عن معنى أن تكون فلسطينيًا، وأن تكتب، وأن تمتلك صوتًا مستقلًا لا يمكن تطويعه بسهولة.
اليوم، تحاول الدوائر الصهيونية الأوروبية أن تكرّر التجربة ذاتها، ولكن بواجهة أكثر «تحضّرًا»، وبخطاب يدّعي الحياد، ويستند إلى منظومة إعلامية وقانونية تُجيد تحويل القمع إلى إجراء، والإقصاء إلى «مساءلة».
ما تتعرض له بيسان عدوان في بعض المنابر الإعلامية السويدية لا يمكن توصيفه بوصفه تحقيقًا صحفيًا نزيهًا، بل هو أقرب إلى محاكمة رمزية لتعبير سياسي وثقافي فلسطيني.
محاكمة تُنتزع فيها الكلمات من تربتها، وتُفصل عن سياقها التاريخي والإنساني، وتُقدَّم للرأي العام كأدلة إدانة، لا كصرخات صادرة عن جرح مفتوح.
لم تُواجه بيسان اتهامًا قانونيًا، ولم يصدر بحقها حكم أو قرار قضائي، ومع ذلك جرى دفعها إلى واجهة الرأي العام بوصفها «خطرًا أمنيًا».
هنا يُخرق مبدأ قرينة البراءة، وتُمسّ حرية التعبير في جوهرها، لا باعتبارها حقًا يُصان، بل باعتبارها امتيازًا يُسحب حين يصبح الصوت الفلسطيني «مقلقًا».
إن البوح بالحزن، والتعبير عن الغضب، حين يُمحى شعب كامل وتُسحق حياته اليومية، لا يحوّل الإنسان إلى مجرم، بل يؤكد إنسانيته.
وإن تحويل الفلسطيني إلى موضع شبهة لأنه فلسطيني، ولأنه يتكلم من موقع الضحية لا من منصة القوة، ليس سوى وجه آخر من وجوه الإقصاء، وعنصرية سياسية تتخفّى خلف خطاب الحياد و«مكافحة التطرف».
الاتهامات الجاهزة بمعاداة السامية أو مساندة الإرهاب، حين تُستخدم على هذا النحو، لا تهدف إلى حماية جماعات أو قيم، بل إلى إسكات رواية كاملة.
هي تمهيد لسحب المنحة، ثم الإقامة، ثم الشرعية المعنوية للوجود ذاته.
ليست مساءلة قانونية، ولا نقدًا مهنيًا، بل محاكمة سياسية وإعلامية للرواية الفلسطينية نفسها.
الدفاع الحقيقي عن حرية التعبير لا يُقاس بمدى راحتها للسلطة، ولا بانسجامها مع السائد، بل بقدرتنا على حمايتها حين تكون حادّة، مُقلقة، ومشحونة بالحقيقة.
حين يصبح الألم الفلسطيني «خطرًا أمنيًا»، ويُجرَّم الغضب الصادر عن موقع الضحية، نكون أمام انحراف خطير عن مبادئ العدالة، وكشفٍ فاضح لازدواجية المعايير حين يتعلّق الأمر بفلسطين.
بيسان لم تطلب امتيازًا، ولم ترفع شعارًا خارج الإنسانية.
طالبت فقط بحق بديهي:
أن يُسمح للفلسطيني أن يحزن، أن يغضب، وأن يروي قصته دون أن يُصنَّف عدوًا.
الدفاع عن بيسان عدوان هو دفاع عن حرية التعبير، وعن الكرامة الإنسانية، وعن حق الفلسطيني في أن يكون شاهدًا على ما يُرتكب بحقه، لا متهمًا لأنه تكلّم.
الصمت هنا تواطؤ، والكلمة الصادقة ليست جريمة.
ورغم كل هذا اليأس المتراكم، يظل الأمل الغامض قائمًا:
أن الصوت، مهما طورد، لا يُمحى.
وأن الرواية، مهما حوصرت، تجد دائمًا من يحملها.
—
كاتب ومترجم مصري
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ماذا ينتظر المغرب والمهاجرين مع صعود فوكس الإسباني؟ | ببساطة
.. رقم غير مسبوق في عدد وفيات المهاجرين غرقا في البحر المتوسط ه
.. نادي الأسير: اعتقال أكثر من 40 فلسطينيا بينهم 4 نساء في سلسل
.. المفوض العام للأونروا للجزيرة: يجب أن تكون الأونروا جزءا من
.. Meet the Amnesty International activists defending the Peruv