الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يصل الجمال متأخرًا
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 29
الادب والفن
يقول أحمد خالد توفيق: «أخبروا الأشياء المتأخرة أن قدومها لم يعد مرحبًا به، فقد فات أوان اللهفة، وأن مجيئها الآن بعد انطفاء الشغف لن يجعلني ألتفت لها مهما بلغت من جمال». هذه العبارة لا تُقال من موقع الغضب ولا من منبر العتاب، بل من مساحة أكثر عمقًا وهدوءًا: مساحة الإنسان الذي أدرك متأخرًا أن التوقيت ليس تفصيلاً هامشيًا في الحياة، بل هو روح الأشياء وجوهرها الخفي. فالأشياء لا تُقاس بقيمتها المطلقة، بل باللحظة التي تصل فيها، وبالحالة الشعورية التي تستقبلها. ما يأتي في زمن اللهفة يُستقبل بالقلب قبل العقل، وما يأتي بعد انطفائها يُفحص ببرود، مهما كان براقًا ومكتملًا.
إن الشغف ليس حالة دائمة، بل طاقة قابلة للنفاد. حين ننتظر طويلًا، لا نخسر الوقت فقط، بل نخسر أجزاء من أنفسنا كانت مستعدة للحب والفرح والتسامح. في لحظة الانتظار الأولى نمنح الأعذار بسخاء، نبرر الغياب، ونراهن على العودة. لكن مع تكرار الخيبة، يبدأ القلب بتقليل توقعاته، لا وعيًا منه، إلى أن يصل إلى مرحلة الصمت الداخلي؛ لا غضب ولا احتجاج، بل إرهاق عاطفي خالص. وعندما تصل الأشياء أخيرًا، تصل إلى إنسان آخر، نسخة مختلفة، أقل حماسة وأكثر حذرًا، وربما أكثر تعبًا.
ليست المشكلة في الشيء المتأخر ذاته، بل في المسافة التي خلقها التأخير داخل الروح. فالجمال الذي يأتي بعد طول انتظار يفقد قدرته على الإدهاش، لأنه لم يعد يلامس حاجة ملحّة. وكأن توفيق يقول إن بعض الفرص لا تموت لأنها ضاعت، بل لأنها استُهلكت بالانتظار. فالقلب الذي ظل واقفًا طويلًا على عتبة الأمل، يتعلم في النهاية الجلوس، ثم يتعلم الانصراف. وحينها، لا يعود الوصول حدثًا استثنائيًا، بل خبرًا عابرًا لا يوقظ شيئًا في الداخل.
الزمن هنا لا يمارس الظلم، لكنه يفرض قوانينه بصرامة. لا يعيد اللهفة، ولا يعيد ترتيب المشاعر كما كانت. لأن المشاعر كائنات حيّة، تولد وتنمو وتمرض وتموت، وإذا طال إهمالها تفقد قابليتها للحياة. ولهذا فإن الأشياء المتأخرة، مهما بلغت من كمال، تصطدم بحقيقة قاسية: أنها جاءت إلى قلب لم يعد ينتظر. ليس لأن القلب قاسٍ، بل لأنه تعلّم، بثمن باهظ، أن يحمي نفسه من خيبات إضافية.
هذه العبارة ليست إعلان قطيعة، بل شهادة نضج مؤلم. نضج يدرك فيه الإنسان أن بعض الأبواب إذا أُغلقت لا تُفتح ثانية، لا عنادًا، بل لأن الداخل تغيّر. فاللامبالاة التي يصل إليها ليست ضعفًا، بل آلية دفاع أخيرة تحافظ على ما تبقى من الروح. وهكذا تصبح الأشياء المتأخرة ضحايا توقيت فاسد، لا ضحايا قسوة إنسان.
في النهاية، يقول أحمد خالد توفيق ما لا يُقال عادة: إن أخطر أشكال الفقد ليس أن لا تأتي الأشياء، بل أن تأتي بعد أن نفقد القدرة على الفرح بها. فليس كل وصول نجاة، وليس كل جمال كافيًا، حين يكون القلب قد سبق الأشياء إلى الرحيل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة
.. زين البحرين تحتفي باليوم الرياضي البحريني بفعالية تعزز ثقافة
.. السينما الليبية… مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في م
.. ستايل توك - Tom Ford و Adele في عمل واحد قريبا في فيلم Cry t
.. الكلاسيكو - لقاء مع كابتن أحمد بلال والناقد الرياضي أحمد درو