الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الجولان خارج الخريطة.. وخارج أولويات السلطة
ضيا اسكندر
كاتب
2025 / 12 / 30
مواضيع وابحاث سياسية
حين تُمحى أرض من الخريطة، تبدأ أولى مراحل التفريط. وحين تختار السلطة الصمت، يتحول الصمت إلى موقف مكتمل الأركان. فالدول لا تفقد أراضيها دفعة واحدة، وإنما تتنازل عنها بالتقسيط: مرة بالسكوت، مرة بالإهمال، ومرة بإعادة تعريف "الأولويات" تحت ضغط الوقائع والظروف.
والأخطر من ذلك هو الاعتياد على الغياب؛ فالاحتلال العسكري، مهما طال، يبقى حالة صدام تُذكّر بالحق المغتصَب، أما تغييب الأرض عن الخريطة الرسمية فيفتح الباب لمرحلة قاسية: التطبيع مع الخسارة، ومحو الذاكرة الجمعية من الورق ومن الوعي معاً.
في هذا السياق، يثير حذف هضبة الجولان السورية المحتلة من بعض الخرائط الرسمية، أسئلة مصيرية حول طبيعة السلطة الانتقالية الحالية في سوريا، وحدود صلاحياتها في قضايا السيادة التي تتجاوز إطارها المؤقت.
الجولان: جغرافيا تُختَطَف وذاكرة تُمسَح
تُعدّ هضبة الجولان جزءاً أصيلاً من الأرض السورية، محتلة منذ 1967، ومعترف بحق سوريا فيها بقرارات مجلس الأمن (242 و338). تغييبها اليوم يُقرأ كتفريط صامت يبدأ من الخرائط الرسمية وينتهي بمحوها من الذاكرة الوطنية.
هذه الهضبة البازلتية الخصبة الواقعة في الجنوب الغربي من سوريا، تبلغ مساحتها نحو 1,800 كيلومتر مربع، احتلت إسرائيل منها قرابة 1,200 كيلومتر مربع. قبل الاحتلال، كانت تضم أكثر من 160 قرية وبلدة سورية، دُمّر معظمها قسراً، ولم يتبقَّ اليوم سوى خمس قرى مأهولة بأبناء الأرض الأصليين، في مقابل توسع استيطاني ممنهج يهدف إلى فرض واقع دائم بالقوة والزمن.
من الاحتلال العسكري إلى المحو الإداري
إسرائيل لم تكتفِ بالاحتلال العسكري، بل أعلنت ضمّ الجولان عام 1981، في خطوة رفضها المجتمع الدولي بقرارات واضحة، أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 497 الذي عدّه "باطلاً ولاغياً". اليوم، تستفيد إسرائيل من ضعف الموقف السوري الرسمي، ومن صمت سلطة انتقالية تتعامل مع القضية وكأنها عبء مؤجَّل وليست أولوية وطنية.
إخراج الجولان من الخرائط الرسمية يُعدّ تخلّياً سياسياً تدريجياً لصالح الاحتلال، ولا يمكن تفسيره كخطأ تقني. فالخرائط ليست رسوماً تعليمية عابرة، بل وثائق سيادية تُعلن للعالم حدود الوطن الذي تدافع عنه الدولة. وحين تُمحى أرض محتلة من الخريطة، يتراجع الحق القانوني والأخلاقي فيها، ويُمنح الاحتلال خدمة مجانية لم ينجح في انتزاعها عبر الحروب.
حكومة انتقالية بلا شرعية
تكمن الخطورة في هوية الجهة التي تمارس هذا التغييب؛ فالحكومة الانتقالية الحالية لم تنبثق عن انتخابات شعبية، بل تشكّلت كسلطة أمر واقع في 8 كانون الأول 2024، نتيجة صفقة إقليمية–دولية، من دون أي تفويض وطني عام. وهي بذلك تعاني أزمة شرعية بنيوية، إذ يحصر القانون الدولي والأعراف السياسية دورها في إدارة المرحلة لا تقرير مصير البلاد.
صلاحيات هذه السلطة تقتصر على تسيير الشؤون اليومية والتمهيد لانتقال سياسي كامل، ولا تمتد إلى قضايا السيادة المصيرية، كالحدود أو التفاوض على أراضٍ محتلة. فترسيم الحدود وصنع السلام الدائم قرارات سيادية لا تُتخذ إلا بإرادة شعبية حرة، عبر ممثلين شرعيين، لا بقرارات تصدر عن سلطة مؤقتة وُلدت في ظل ظروف استثنائية.
صمت الحكومة.. ثمن البقاء في سدة الحكم
صمت الحكومة الانتقالية عن حذف الجولان من الخريطة خيارٌ محسوب لإدامة بقائها، صمتٌ تعاقدي تُدفع كلفته أرضاً محتلة. تتحول الجغرافيا إلى ثمن سياسي، والموقف الوطني إلى مقايضة: دعم مالي وسياسي يثبّت سلطة مؤقتة، ويحوّل الجولان إلى ورقة تفاوض في أيدي أطراف إقليمية ودولية.
وحين تمتنع السلطة عن رسم حدود الوطن، فهي تعلن بوضوح أن بقاءها أَولى من الأرض. تُقرأ هذه الإشارة في تل أبيب كضوءٍ أخضر لتوسيع الاستيطان، وفي العواصم الداعمة كتبرير لاستمرار الرعاية، بينما تُسوَّق للسوريين تحت عنوان "الواقعية السياسية"، في حين أنها تفريطٌ منظّم يُنزل الوطن من مرتبة الثابت إلى مستوى السلعة.
الخطر الأعمق يتجاوز ضياع الأرض، إذ يوجّه رسالة قاتلة مفادها أن الحدود تُمحى حين تتعارض مع مصلحة السلطة، وأن الاحتلال يُعاد تقديمه كملف مؤجَّل لا كجريمة مستمرة. هنا، يصبح الصمت خطاباً موجهاً للخارج يعلن الاستعداد لدفع ثمن البقاء، ويضع أرضاً محتلة في خانة المقابل. إنها صفقة تكشف سلطة تقدّم ذاتها على الوطن، وتمنح بقاءها أولوية تتقدّم على الأرض التي يفترض أنها تحكمها.
ما هو المفقود في المعادلة؟ مسؤولية تاريخية متراكمة
ينبغي ألّا يحجب النقد الموجه للسلطة الانتقالية عن مساءلة النظام السوري السابق، الذي فشل طوال عقود في استعادة الجولان، وأدخل البلاد في حروب داخلية أنهكتها وجعلتها أكثر عُرضة للتنازل عن سيادتها. القضية هنا وطنية تتجاوز تبدّل السلطات والخلافات السياسية، وتؤكد أن الدفاع عن الأرض التزام تاريخي لا يسقط بالتقادم، ولا يُعفى منه حاكم سابق ولا سلطة قائمة.
الجولان: أرض وذاكرة لا تُباع
الجولان ليس أرضاً متنازع عليها، بل أرضٌ سورية محتلة بنص القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وأي سلطة انتقالية تتعامل معها كملف قابل للمساومة، أو تسمح بتغييبها عن الخريطة، إنما تتجاوز حدودها وتعتدي على حق شعب لم يُستشَر ولم يمنحها شرعية التصرّف باسمه.
ستبقى هذه الأرض سورية، لأن الحق لا يُمحى، والذاكرة لا تُختزل، ولأن الخرائط الحقيقية لا يرسمها صمت السلطات، بل إرادة الشعوب.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ
.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة
.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي
.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو