الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المثقف العربي في العراء: هل انتصر -نظام التفاهة-؟
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
2025 / 12 / 30
قضايا ثقافية
نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، تتجاوز في تعقيدها جدليات العقود الماضية حول "الأصالة والمعاصرة". نحن أمام أزمة وجودية تتعلق بالأدوات والأدوار؛ فالمثقف العربي، الذي امتلك لقرنٍ كامل سلطة "التوجيه المعنوي"، يواجه اليوم عملية إزاحة ممنهجة وقسرية. لم تأتِ هذه الإزاحة بفعل قمع السلطات السياسية التقليدية فحسب، بل بفعل صعود "لاعبين جدد" يمتلكون أسلحة فتاكة: الصورة، الخوارزميات، ورأس المال، والقدرة على حشد الغوغاء رقمياً.
إن ما نشهده من "انحسار للساحة المعرفية" لا يعني غياب المعرفة، بل يعني سقوطها كمعيار للترقي الاجتماعي. لقد وضعت هذه التحولات المثقف أمام خيارات صفرية قاسية: إما الانخراط في "نظام التفاهة" -كما وصفه آلان دونو-، أو الهجرة الداخلية الصامتة، أو التحول إلى "موظف" يخدم برامج الممولين في محاولة يائسة لرسم خريطة لهذا التيه.
المؤثر" بديلاً عن المفكر":
تشير قراءة المشهد الرقمي إلى انقلاب جذري في مصادر التلقي. لقد سحبت منصات مثل "تيك توك" و"سناب شات" البساط من تحت أقدام المنابر الثقافية. يتمتع "المؤثر" بميزة تنافسية لا يمتلكها المثقف: "السرعة" و"السطحية". ففي حين يحتاج المثقف إلى سياق طويل لشرح فكرة مركبة، يقدم المؤثر "كبسولة" شعورية فورية. وهنا ينتصر "التافه" لأنه يلعب بمهارة ضمن قواعد النظام الاستهلاكي، بينما يُقصى "الكفء" لأنه يطرح أسئلة تعطل دورة الاستهلاك السريع. والنتيجة؟ وجد المثقف نفسه محاصراً داخل فقاعة، يكلم نفسه أو زملاءه، بينما عزلت الخوارزميات الجمهور عنه تماماً.
اغتيال المعنى- جيوش الذباب الإلكتروني:
لعل أخطر الفاعلين الجدد هم "الجيوش الإلكترونية". هؤلاء ليسوا ظاهرة عشوائية، بل أدوات سلطوية منظمة تهدف إلى تدمير المجال العام عبر "استراتيجية الإغراق". عندما يطرح مثقف رأياً نقدياً، لا يُواجه بالحجة، بل بطوفان من الشتائم والتخوين، أو حتى نشر التفاهات لتشتيت الانتباه. الهدف هنا ليس الإقناع، بل "جعل النقاش مستحيلاً"، ودفع المثقف إلى "الإنهاك النفسي" والانسحاب، ليخلو الجو للرداءة.
سيكولوجية المثقف المقهور:
حروب "الدجاج" لا يمكن فهم سلوك المثقف اليوم دون العودة للتحليل النفسي الاجتماعي، وتحديداً ما طرحه الراحل مصطفى حجازي في "التخلف الاجتماعي". فالمثقف المقهور، العاجز عن مواجهة "الأب/السلطة"، يوجه عدوانه نحو "الإخوة/الزملاء". لذا يمتلئ مشهدنا الثقافي بمعارك وهمية وشخصنة للخلافات؛ إنها "حروب دجاج" بديلة عن حرب النسور المستحيلة. أما من يرفض هذه الحرب، فيختار "الهجرة الداخلية": يعيش جسدياً في الوطن، لكنه منفصل عنه عقلياً، لاجئاً إلى نصوص تراثية أو لغة طلسمية كآلية دفاعية، مما يعمق الفجوة بينه وبين الجمهور الذي يُترك فريسة للدجالين؟
المال وتوجيه البوصلة:
لم يعد توجيه الثقافة يحتاج إلى "رقيب" يحذف النصوص، بل بات يتم عبر آليات ناعمة، "التمويل" و"الجوائز". لقد خلقت الجوائز قوالب جاهزة، تدفع الكتاب لتجنب التابوهات السياسية والهروب نحو "التاريخ الغرائبي" أو "الصوفية" الآمنة. وتحت وطأة الفقر، اضطر آخرون للتحول إلى "يوتيوبرز"، خاضعين لقوانين السوق، عناوين صارخة وتبسيط مُخل. هنا يتحول المثقف من "منتج للمعرفة" إلى "مهرج معرفي"، فيصبح "ما يطلبه الجمهور" هو المعيار، لا "ما يحتاجه الجمهور"."
سقوط الأوهام:
يرى المفكر علي حرب أن ما يجري ليس مؤامرة بقدر ما هو نهاية طبيعية لدور انتهت صلاحيته. إن المثقف الذي يمارس الوصاية ويدعي امتلاك الحقيقة المطلقة قد مات. لكن، هل يعني هذا النهاية؟ على العكس، يجد المثقف العربي نفسه اليوم في "عراء" تاريخي؛ بلا رعاية دولة، ولا اهتمام جمهور، ولا تمويل سوق. هو يقف وحيداً أمام "غول" التقنية و"تنين" الاستبداد. وفي هذه العزلة تكمن فرصة الولادة الجديدة. إن سقوط "سلطة المؤسسة" يحرر المثقف من قيودها. المطلوب اليوم استراتيجية جديدة:
فك الارتباط بوهم الأرقام: بناء "جزر معرفية" صغيرة ومتماسكة أفضل من جمهور مليوني وهمي.
أنسنة التكنولوجيا: تطويع الذكاء الاصطناعي والوسائط لخدمة المحتوى الرصين، وتقديم العمق بقوالب حديثة.
المثقف الشبكي: بناء تحالفات نضالية لحماية المثقف المستقل.
الأزمة ليست في "موت المثقف"، بل في موت "النموذج القديم". ما نحتاجه ليس أصناماً فكرية، بل "فدائيين" في حقول المعرفة، يتقنون "حرب العصابات الثقافية" ضد جيوش التفاهة، ويحرسون جمرة المعنى في زمن الرماد الرقمي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين التفاوض والتصعيد.. إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية جنوب
.. واشنطن تعلن مقتل جنديين بالأردن وترد باستهداف قوات تابعة للح
.. القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط.. من أين تنطلق العمليات ال
.. أسواق الطاقة تحت الضغط بعد أسبوع من التصعيد وتعطل الملاحة في
.. نشرة إخبارية | الكويت تتصدى لهجمات صاروخية إيرانية.. وواشنطن