الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاختلاف بوصفه جرحًا في الأنا
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 30
الادب والفن
في العلاقات الطويلة الأمد، وخصوصًا تلك التي تمتد لأربعة عقود، لا تكون المشكلة في الخلاف بحدّ ذاته، بل في طريقة إدارة الخلاف. ما تصفه ليس حالة عابرة ولا سوء مزاج مؤقت، بل نمط سلوكي متكرر يستحق الوقوف عنده تحليليًا، لا انفعاليًا.
الصديق الذي يصرخ عند الاختلاف، ويتفوه بكلمات جارحة، ثم ينسحب لأشهر أو سنوات، قبل أن يعود وكأن شيئًا لم يحدث، هو شخص يعيش صراعًا داخليًا مع الرأي المخالف أكثر مما يعيش صراعًا معك. فالعقل المثقف لا يُقاس بكمّ المعرفة، بل بقدرة صاحبه على احتمال الاختلاف دون أن يشعر بالتهديد. كثيرون يحملون شهادات، ويقرؤون كتبًا، لكنهم لم يتعلموا بعدُ أبجديات الحوار.
من منظور نفسي، هذا السلوك يندرج غالبًا تحت ما يسميه علماء النفس العجز عن تنظيم الانفعال. حين يختلف معه الآخر، لا يسمع الفكرة بل يسمع طعنًا في ذاته، فيتحول النقاش إلى معركة دفاع عن الأنا. هنا يرتفع الصوت، وتخرج الكلمات غير المناسبة، لأن الغضب يصبح لغة بديلة عن الحجة. سقراط، حين قال: «تحدث كي أراك»، كان يقصد أن الإنسان يُعرَف في لحظة الاختلاف لا في لحظة الاتفاق.
أما الانسحاب الطويل، فهو شكل من أشكال العقاب الصامت. الصديق لا ينسحب ليهدأ فقط، بل ليقول: “إما أن تتفق معي، أو أفقدك”. وهذا سلوك طفولي في جوهره، مهما غُلّف بثقافة أو مكانة علمية.
العودة المتكررة “كأن لم يكن شيء” ليست تسامحًا، بل إنكارًا للمشكلة. وكأن العلاقة تُعاد إلى نقطة الصفر دون مراجعة، لتبدأ الدورة ذاتها من جديد: اتفاق، اختلاف، صراخ، قطيعة، عودة. هذه الدائرة المغلقة هي استنزاف نفسي مرهق للطرف الأكثر هدوءًا.
الخطر الحقيقي في هذا النوع من الصداقات ليس في الكلمات الجارحة وحدها، بل في تآكل الاحترام ببطء. فالصداقة التي لا تسمح لك بأن تختلف بأمان، ليست صداقة متكافئة. أرسطو ميّز بين صداقة المنفعة، وصداقة اللذة، وصداقة الفضيلة، والأخيرة وحدها تقوم على قبول الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون.
الشاهد الواقعي الأهم هو نفسك: أربعون عامًا من التكرار تعني أن الأمر ليس حادثًا طارئًا، بل بنية ثابتة في شخصيته. والسؤال التحليلي الجوهري ليس: لماذا يفعل هو ذلك؟ بل: إلى أي حد يمكنني أنا أن أقبل هذا النمط دون أن أخسر اتزاني وكرامتي؟
أن الثقافة لا تمنح صاحبها تلقائيًا أخلاق الحوار، وأن طول العِشرة لا يبرر الإيذاء المتكرر. الصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد السنوات، بل بقدرتها على النجاة من الخلاف دون صراخ، ودون قطيعة، ودون إذلال. وكل علاقة لا تتطور في طريقة خلافها، محكوم عليها أن تعيد أخطاءها إلى ما لا نهاية، مهما طال الزمن، ومهما كثرت الذكريات.
أقول له : اذهب ما شئت، واغضب ما شئت، واصنع من القطيعة مسافتك الآمنة كلما ضاق صدرك برأي لا يشبهك. لكن اعلم أنني لم أعد ذلك الذي ينتظر عودتك وكأن شيئًا لم يحدث، ولم أعد مستعدًا لأن أدفع ثمن صراخك من عمري وهدوئي. الصداقة التي لا تحتمل الاختلاف لا تستحق أن تُستأنف، والعِشرة التي تُدار بالصوت العالي والانسحاب الطويل ليست فضيلة بل إنهاك. إن عدتَ دون وعي، فبقاؤك غياب آخر، وإن اقتربتَ دون احترام، فالمسافة بيننا أولى. اذهب ما شئت، ولا تقترب لي، فقد تعبتُ من إعادة ترميم ما تهدمه نوبات الغضب، وتعبتُ أكثر من صداقات لا تنضج مهما طال بها الزمن.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با
.. لعبة الحروف مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر وأولاده
.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع
.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت
.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه