الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف الانتماء وصناعة اليقظة الكاذبة
يحي عباسي بن أحمد
كاتب
(Abassi Yahia Ben Ahmed)
2025 / 12 / 30
قضايا ثقافية
1. من اللعب إلى المعنى: كيف تحوّلت الكرة إلى سردية وجود؟
لم تعد كرة القدم لعبة، بل صارت نصًا جماعيًا يُقرأ ويُعاد تأويله، وسردية تُحقن في الوعي بوصفها لحظة خلاص.
في عالم فقد المعنى الكبير، لم تعد الجماهير تبحث عن حقيقة، بل عن لحظة كثيفة من الشعور، عن ارتجافة مؤقتة تُشعرها بأنها موجودة. هنا تدخل كرة القدم لا كرياضة، بل كـ بديل أنطولوجي.
إنها لا تمنح معنى للحياة، لكنها تمنح إحساسًا بالحياة، وهذا هو الفارق الجوهري بين المعنى الحقيقي والمعنى المُستعار.
2. الانتماء: من الوجود إلى الانفعال
الانتماء في أصله الفلسفي فعل وجودي: أن أنتمي يعني أن أتحمل، أن أشارك، أن أُخاطر، أن أُسائل نفسي والعالم.
أما الانتماء الكروي فهو: انتماء بلا كلفة،بلا مسؤولية، بلا تاريخ وبلا مستقبل إنه انتماء انفعالي، يولد مع صافرة البداية ويموت مع صافرة النهاية.
وكل انتماء لا يعبر الزمن، هو انتماء كاذب، مهما علا صوته.
3. لحظة الفرح: لماذا تبدو عظيمة ثم تتبخر؟
الفرح الكروي ليس فرحًا، بل تعليقًا مؤقتًا للألم.
إنه يشبه النسيان أكثر مما يشبه السعادة.
في لحظة الفوز:يتوقف السؤال، يصمت القلق، يُؤجَّل التفكير، لكن الفلسفة تعلمنا أن كل فرح لا ينبع من تحوّل في الواقع، هو فرح هشّ، لأن الواقع سيعود كما كان، بل أقسى، لأنه عاد بعد أن ذاق الإنسان وهم الخلاص.
وهنا تحدث الصدمة: ليس لأن الفريق خسر لاحقًا، بل لأن الحياة لم تتغير.
4. اليقظة التي لا تلد وعيًا
ما تصنعه كرة القدم ليس وعيًا، بل يقظة زائفة، الوعي يفتح الأسئلة، أما اليقظة الكروية فتُغلقها.
إنها يقظة: بلا تأمل، بلا نقد، بلا مسافة، توقظ الحواس، لكنها تُنيم العقل، ترفع الصوت، لكنها تُخفض الفكر.
ولهذا يعقبها دائمًا نوم ثقيل: نوم سياسي، نوم ثقافي، نوم أخلاقي.
5. الاستبدال الكبير: حين يُستبدل الفعل بالمشاهدة
أخطر ما فعلته كرة القدم بالإنسان المعاصر أنها: استبدلت الفعل بالمشاهدة، المشاركة بالهتاف، والإنجاز بالتعاطف، صار الإنسان يشعر أنه “شارك” لأنه شجّع، وأنه “انتصر” لأن غيره فاز، وأنه “كان جزءًا من الحدث” لأنه بكى أو صرخ.
وهكذا يُسرق من الإنسان حقه في الفعل الحقيقي، ويُدرَّب على الاكتفاء بالانفعال.
6. في السياق العربي: الفرح كتعويض لا كأفق
في المجتمعات التي ضاق فيها الأفق:السياسة مُفرغة، الثقافة مهمّشة، المستقبل غائم، تتحول كرة القدم إلى دين مدني مؤقت:طقوس، أناشيد، رموز، أساطير، لكنها ديانة بلا أخلاق، وبلا خلاص، وبلا وعد.
تمنح نشوة، ثم تترك الإنسان وحيدًا أمام نفس البؤس، ولهذا لا تُحرر الشعوب، بل تُدرّبها على الاحتمال.
7. الزيف العميق: لماذا هذا الانتماء خطر؟
لأن الزيف هنا ليس كذبًا بسيطًا، بل إعادة تشكيل للوعي: تعويد على الفرح السريع، كره للصبر، نفور من البناء الطويل، اشتهاء دائم للذروة، وكل مجتمع يعيش على الذروة، يفشل في التاريخ، لأن التاريخ لا يُبنى بالهتاف، بل بالتراكم.
8. خاتمة
كرة القدم، حين تُضخّم، لا تُضحك الإنسان، بل تُنسيه نفسه، تمنحه لحظة يشعر فيها أنه موجود، ثم تسحبه منها فجأة، وتتركه أكثر فراغًا، ولهذا فإن زيفها لا يكمن في اللعبة، بل في المكان الذي احتلته داخل الروح، إنها لا تصنع انتماءً، بل محاكاة للانتماء، لا تصنع معنى، بل بديلًا عن المعنى، ولا توقظ الشعوب، بل توقظها كي تُنيمها أفضل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل أصبح الألمان كسالى ومترفين لدرجة تمنعهم من تجاوز سنوات ال
.. قرب اكتمال الجاهزية العسكرية الأميركية في المنطقة لضرب إيران
.. خُمس سكان إسرائيل تحت خط الفقر
.. قمة استثنائية للقادة الأوروبيين ببلجيكا لمناقشة سبل تقوية ال
.. الأمين العام للنيتو: الحوار الدبلوماسي مع واشنطن أثمر عن رؤي