الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فلسطين أولا: من أنقاض غزة إلى دولة المؤسسات ومستقبل الإنسان

رمزي عطية مزهر

2025 / 12 / 31
القضية الفلسطينية


لم تعد غزة مجرد جغرافيا منكوبة أو ساحة حرب متكررة، بل أصبحت مرآة تعكس عمق الأزمة الوطنية الفلسطينية. فبين الركام والدمار، يبرز سؤال أكبر من السياسة اليومية ومن الحسابات الفصائلية: أي وطن نريد، وأي مستقبل نصنع لأطفال غزة بعد الحرب؟ هنا، يصبح الانحياز لفلسطين كقيمة جامعة، لا كعنوان تنظيمي أو أيديولوجي، هو المدخل الوحيد للإنقاذ.

لقد وُلدت الفصائل الفلسطينية في زمن غياب الدولة، وحملت أدوارا تاريخية لا يمكن إنكارها. غير أن الخطر الحقيقي بدأ حين تحولت التنظيمات إلى غايات بحد ذاتها، وحين صار الولاء للفصيل مقدما على الانتماء للوطن. في هذه اللحظة، لم تعد القضية في تنوع البرامج أو اختلاف الرؤى، بل في اختزال فلسطين في إطار حزبي ضيق، وكأن الوطن ملكية سياسية لا هوية جامعة.

غزة اليوم تدفع ثمن هذا الخلل بأقسى صوره. فسباق ما بعد الحرب لا يدور حول من يخدم الناس، بل حول من يملأ الفراغ، ومن يفرض نفوذه تحت عناوين مختلفة. غير أن غزة لا تحتمل دولة تنظيمات، ولا إدارة بالغلبة، بل تحتاج إلى دولة مؤسسات قادرة على حماية الإنسان، وضبط القرار، وتوحيد المرجعية، وتحويل المعاناة إلى مشروع بناء لا إلى وقود صراع داخلي.

إن بناء دولة المؤسسات لا يعني إقصاء أحد، ولا محو التعددية السياسية، بل يعني إخضاع الجميع لقواعد واحدة: قانون واحد، قرار واحد، ومسؤولية وطنية لا تتجزأ. الدولة هنا ليست نقيضا للمقاومة، بل إطارها العقلاني والأخلاقي، وهي الضمانة الوحيدة لعدم تحويل التضحيات إلى عبء دائم على المجتمع، وخصوصا على الأطفال الذين يحتاجون إلى مدرسة لا إلى متراس، وإلى أفق حياة لا إلى خطاب تعبئة.

في هذا السياق، تبرز مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. فما يصدر عن رام الله اليوم يجب أن يتجاوز لغة إدارة الأزمة إلى بناء رؤية واضحة لليوم التالي للحرب، يكون فيها مستقبل أطفال غزة معيارا للسياسة ومرجعا للقرار. فالطفل الفلسطيني لا تعنيه الأيديولوجيات، ولا الصراعات بين علمانية ودينية، بقدر ما يعنيه أن يعيش آمنا، وأن يتعلم، وأن يحلم بمستقبل داخل وطن يحميه.

فلسطين أكبر من كل الفصائل، وأوسع من كل الأيديولوجيات. لا علمانية ولا دينية، لا يمين ولا يسار، حين يكون السؤال هو بقاء الإنسان وبناء الدولة. الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للوطن، لفلسطين كهوية جامعة ومشروع دولة، لا كراية حزبية أو برنامج فئوي. وكل خطاب لا ينطلق من هذه القاعدة، مهما بدا صاخبا، يبتعد عن جوهر القضية.

إن غزة، بما تحمله من جراح، تضع الفلسطينيين أمام لحظة تاريخية فاصلة. إما الانتقال من منطق التنظيم إلى منطق الدولة، ومن إدارة الصراع إلى إدارة الحياة، أو الاستمرار في تدوير المأساة بأدوات جديدة. فلا مستقبل لأطفال غزة في ظل فوضى السلاح، ولا كرامة وطنية دون مؤسسات قوية، ولا تحرير بلا دولة قادرة على الصمود والبناء.

في النهاية، ليست فلسطين شعارا يرفع، بل مسؤولية تُدار. ومن أنقاض غزة، يجب أن يولد مشروع وطني جديد، قوامه دولة المؤسسات لا دولة التنظيمات، والانتماء للوطن لا للفصيل، وفلسطين أولا وأخيرا، لأنها وحدها القادرة على جمع الفلسطينيين وحماية مستقبل أبنائهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ألمانيا تمنع تأجير الأرحام.. فكيف أصبح وزير ألماني مثلي أباً


.. لماذا تأجل اجتماع لبنان وإسرائيل؟ وما العقد التي تعطل الاتفا




.. وصول الأرجنتين لنيوجيرسي وعودة يامال تدعم إسبانيا وسط مخاوف


.. شبكات - الأرجنتينيون يؤيدون إسرائيل أم فلسطين؟




.. فوق السلطة 501 - لماذا أحبت الشعوب الأمير الوالد؟