الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دولة تنتظر القرار: التردد في اختيار رئيس الوزراء
عماد الطيب
كاتب
2025 / 12 / 31
مواضيع وابحاث سياسية
في كل مرة يُفتح فيها ملف اختيار رئيس الوزراء، تبدأ رحلة ماراثونية لا تشبه سباقات التحمل بقدر ما تشبه الدوران في حلقة مفرغة. أسماء تُطرح ثم تُسحب، توافقات تُعلن ثم تتبخر، وقيادات تبدو وكأنها تركض في المكان ذاته، منهكة، من دون أن تقترب فعليًا من خط النهاية.
المشكلة لا تكمن في شحّ الأسماء أو ندرة الكفاءات، بل في آلية الاختيار نفسها، تلك التي تحوّلت من استحقاق دستوري إلى ساحة مقايضات مفتوحة. فبدل أن يكون رئيس الوزراء نتاج برنامج واضح ورؤية قابلة للتنفيذ، بات نتيجة توازنات هشة، تُرضي هذا الطرف وتُسكت ذاك، من دون أن تُقنع أحدًا، ولا سيما الشارع الذي يدفع كلفة هذا التعثر.
القيادات السياسية، وهي تفاوض على الاسم، تتعثر لأنها تفاوض بعقلية الخوف لا بعقلية الدولة. الخوف من خسارة النفوذ، من كسر التحالفات، من إغضاب الخارج أو الداخل، من أن يكون الرئيس القادم أقوى مما ينبغي. وهنا يتحول المنصب من أداة لإدارة الدولة إلى خطر محتمل يجب ترويضه مسبقًا. لذلك يُفضَّل المرشح “الآمن” على المرشح “القادر” .
هذا التعثر المزمن يكشف أزمة أعمق: غياب مفهوم الحسم. الحسم لا يعني التغوّل أو التفرد، بل القدرة على اتخاذ قرار وتحمل تبعاته. لكن القيادات، في كثير من الأحيان، تُجيد تأجيل القرار أكثر مما تُجيد صنعه. فتُدار المرحلة الانتقالية بعقلية الانتظار، وكأن الزمن عنصر محايد لا يخلّف خسائر، بينما الواقع يقول إن كل يوم تأخير يعني إدارة أضعف، وثقة أقل، وأزمات تتراكم بلا عنوان.
الرحلة الماراثونية لا تُنهك السياسيين وحدهم، بل تُنهك الدولة نفسها. مؤسسات تعمل بنصف طاقة، مشاريع معلّقة، وشارع يراقب المشهد بعين الشك والسخرية. فحين يرى المواطن أن اختيار رأس السلطة التنفيذية يستغرق أشهرًا من الجدل العقيم، يسأل بحقه: كيف ستُدار أزمات أكثر تعقيدًا إذا كان الاتفاق على اسم واحد مهمة شبه مستحيلة؟
إن الخروج من هذا النفق لا يبدأ بتغيير الوجوه بقدر ما يبدأ بتغيير القواعد. قواعد تجعل البرنامج سابقًا على الاسم، والالتزام سابقًا على الصفقة، والمصلحة العامة معيارًا لا شعارًا. من دون ذلك، ستظل عملية اختيار رئيس الوزراء سباقًا طويلًا بلا جمهور متحمس، وبلا فائز حقيقي، سوى الوقت الضائع الذي يواصل انتصاراته الصامتة على حساب الدولة والمجتمع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فرنسا - الهنـد: لـمـاذا يـراهـن مـاكـرون عـلـى نـيـودلـهـي؟
.. مـعـهد العالم العربي: رئـيـسـة جـديـدة تـعـد بـالـتـغـيـيـر
.. ضغوط أميركية وانقسام داخلي… من يحسم رئاسة الحكومة العراقية؟
.. عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل التحشيد العسكري الأمريكي في ا
.. زينة رمضان في مدينة أوتريخت الهولندية