الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إيران- الرافضات للجمهورية الإسلامية
ملهم الملائكة
صحفي وكاتب
(Mulham Al Malaika)
2026 / 1 / 1
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
حين قامت الجمهورية الإسلامية في إيران بنيت عميقاً على إلغاء الدولة القومية، اضعاف الطبقة الوسطى وخلق طبقة بديلة عنها، تقسيم المجتمع إلى رجال سادة، إزاء نساء مستعبدات بالحجاب والتشريعات الجائرة، وكانت أولى خطوات خميني بهذا الصدد فرض الحجاب بالقوة على الإيرانيات وهو الذي أرسى باقي التغيرات التي فصلّتها أعلاه، لكن وبمرور السنوات، وتعاقب الحروب، وهجرة الطبقة الوسطى، وتنامي الوعي الطبقي برزت في تاريخ إيران المعاصر 3 نساء يحركن الشارع الايراني، وهنّ حسب حضورهن الجماهيري، الكردية القتيلة مهسا أميني، والناشطة الحقوقية السجينة المؤثرة نرگس محمدى، والثورية اليسارية الأقل حضوراً مريم رجوى التي قضت أكثر من أربعين عاما من عمرها منفية في أروقة المعارضة.
وبات السؤال الخفي الذي لا يشير إليه المحللون العرب الذين يجهلون كل شيء عن أرض فارس وشعوبها وتاريخها: هل تقود النساء التغيير في إيران، وهل تكون نرگس محمدى القائدة الثورية التي تحسم اسقاط نظام الملالي؟
هذا ممكن اليوم لأنّ النساء أصبحن محرّك التغيير الأهم في إيران لكنهن لا يقدن الثورة بالشكل الكلاسيكي، بل يقدنها ثقافياً وأخلاقياً ورمزياً، ورب قارئ سيسأل: كيف ولماذا النساء بالتحديد؟
والجواب ببساطة لأنّ النظام الديني قام على أيديولوجيًا قهر النساء والسيطرة على جسدهن، جاعلاً الحجاب، الأسرة والطاعة، أدوات حكم، وحين تمرّدت النساء، اهتزّ أساس سردية الشرعية الدينية (الولي الفقيه) لهذا كان شعار (المرأة، الحياة، الحرية) وأصله الفارسي (زن، زندگی، آزادی) المأخوذ عن الشعار الكردي الذي ولد بشكل عفوي بعد مصرع ايقونة الثورة مهسا أميني عام 2022 (ژن، ژیان، ئازادی) أخطر على النظام من أي برنامج سياسي مضاد.
والحق يقال، فإنّ مهسا أميني كانت الشرارة، ومن الصعب أن نسميها القائدة، فهي مجرد طالبة جامعية بسيطة قادمة من قرى إيران، قتلتها هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها لم تكن ترتدي الحجاب! ولم تكن ناشطة حقوقية أو ثائرة سياسية، ولم تُخطّط كما لم تختر الدور لكن مقتلها المروع حوّل القمع اليومي إلى قضية وجودية كسرت حاجز الخوف الجماعي فأصبحت مهسا رمزًا جامعًا للنساء والرجال بلا أيديولوجيا، هي لم تكن مشروع قيادة، بل لحظة تاريخية ومثل تلكم اللحظات لا تتكرر بسهولة، لكنها تبقى لحظات خالدات.
أما نرگس محمدي التي قضت 9 سنوات من عمرها في الزنازين، وتعيش اليوم معتقلة مبعدة عن أسرتها وبنيها رغم حصولها على جائزة نوبل للسلام عام 2023، فهي الضمير الحي للنظام المضاد لأنها تمتلك صدقية أخلاقية عالية، وتاريخًا حقوقيًا نظيفًا وشجاعة شخصية نادرة واستقلالًا عن تأثيرات الخارج، علاوة على لغة يفهمها الإيراني العادي لا النخب فحسب، لكن هل هي "قائدة ثورية" بالمعنى الحاسم؟
أنها للأسف ليست كذلك، على الأقل حتى هذه اللحظة، فهي قائدة على الأقل ليس بالطريقة التي تسقط نظامًا وحدها، لأنها ناشطة حقوقية وليست ثورية منظمة، كما أنها لا تمتلك جهازًا سياسياً ولا تنظيماً شعبياً ولا قدرة على إدارة صراع بمستوى تداول السلطة ولا خطاباً تعبوياً ثورياً.
ويشبهها بعض قادة الحراك الإيراني بنيلسون مانديلا قبل خروجه من السجن، لا بعده. أنها رمز، لا قائدة معركة حسم. وقد تصبح إذا استمر الحراك جزءاً من ضمير المرحلة الانتقالية أو مرجعية أخلاقية أو وجهًا يوحد صفوف نساء الطبقة الوسطى خاصة، ولكنّ ذلك قد يجري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الملالي. وهكذا فهي ليست القائدة التي تُسقط النظام الديني بمفردها.
إزاء هذين الرمزين تقف مريم رجوي ذات التاريخ النضالي الأعرق، والتي بدأت نشاطها ضد الشاه في سبعينات القرن العشرين، وساهمت في اسقاط نظامه لكنها وزوجها مسعود تحالفا مع نظام صدام حسين وقاتلا معه ضد نظام الملالي ما افقدهما قاعدتهما الجماهيرية في داخل إيران، ويمكن وصفها بأنها باتت "مشروع قيادة بلا شارع ولا قاعدة جماهيرية".
فهي تمتلك تنظيمًا وخطابًا وتتلقى دعمًا خارجيًا لكنها تفتقد القبول الشعبي الداخلي، الثقة التاريخية، الارتباط العاطفي بالجيل الجديد. وفي الثورات، لا يمكن غالباً استيراد الشرعية، بل لابد من انتاجها من الداخل. وهذا ما تفتقده مريم رجوي في الوعي الجماهيري الإيراني. وهكذا يمكن إيجاز الفروق بين الايقونات الثلاث بالتالي:
مهسا أميني: رمز بريء فجّر مقتلها المروع الوعي الجماهيري بشكل غير مسبوق في هذا البلد.
نرگس محمدي: ضمير حيّ مقاتل يتعذب داخل السجن لكنه لا يفقد ملامحه.
مريم رجوي: مشروع سياسي يساري مخلص ولكنه مهاجر ومثير للانقسام
بعد كل هذا، نصل إلى سؤال مفصلي: هل تقود نساء إيران مسيرة التغيير؟ ممكن، ولكن ليس وفق معادلة (امرأة واحدة تقود ثورة ينتج عنها سقوط نظام مسلح بالعقيدة والسلاح عمره يقترب من نصف قرن)، بل وفق معادلة جماهير النسوة المقهورات بالحجاب الخميني، يكسرن طوق العزلة والحجب والصمت والتهميش، ويحطمن النمط الثقافي الذي فرضه الملالي، ما يسقط شرعية نظامهم، ويخلق تصدعاً اجتماعياً داخلياً يقود إلى التغيير.
ويصح القول هنا إنّ النساء لا يقدن الدبابات ولا يطلقن الرصاص، لكنهن اليوم يلغين بتحديهن السافر لمخالب النظام وزنزانته سجن "الطاعة والرضوخ"، ولن يملك النظام الديني حينها أن يصمد بلا طاعة اجتماعية. وإذا تذكرنا في هذه اللحظة الحقيقة المؤلمة أن نظام الملالي قائم على تغليب سكان الأرياف على سكان المدن (كما غلّب نظام صدام سكان البادية على سكان المدن ملغياً الطبقة الوسطى التي قد تهدده)، فإن نظام الملالي لن تسقطه امرأة واحدة، ولا رجل واحد، ولا حركة واحدة، بل سيكون السيناريو الأقرب للواقع:
1. نساء يكسرن أعمدة القهر والخوف
2. جيل من الشباب يسقط شرعية النظام
3. أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم بسبب الحصار الاقتصادي
4. طبول الحرب التي تقرعها الولايات المتحدة وإسرائيل
5. انقسام داخل السلطة خصوصاً بشأن شعارها "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل"
5. ليصل الوضع بعدها إلى لحظة انفجار لا مركزية
وفي تلك اللحظة قد تظهر قيادات بعد السقوط أو أثناء الانهيار لا قبله وأهم حقيقة هنا هي أنّ الثورة الإيرانية القادمة، إن نجحت، ستكون بلا زعيم واحد، ومجردة من أي أيديولوجيا، وبلا حزب واحد. وهذا ما يجعلها مخيفة، وما يجعلها ممكنة.
***
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - مهسا أميني كانت محجبة
Amir Amin
(
2026 / 1 / 1 - 20:44
)
مرحبة ..الشهيدة القتيلة مهسا أميني كانت محجبة وواضعه الحجاب بشكل لم يعجب الشرطة أي كانت گذلتها من الامام واضحة وكأنها تستفز مشاعر الشرطة المتخلفين والذين يريدون ما يطلقون عليه الستر وهو ان تتحجب المرأة الايرانية وخاصة الشابات بشكل كامل بحيث يقمن بتغطية كل شعر الرأس لكن الشهيدة مهسا وضعت حجابها كشابة بشكل عشوائي أي من منتصف الرأس ولنهايته مما أثار حثالات الشرطة الذين قبضوا عليها كمتلبسة بمخالفة ما يسمونه الشرع ..!!
2 - Amir Aminرد على أمير امين
ملهم الملائكة
(
2026 / 1 / 1 - 21:16
)
نعم، كانت مهسا محجبة ولكن بطريقة لا تعجب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...لكن . ،بسبب مقتلها نزعت كل نسوة ايران تقريبا الحجاب المشين المهين
3 - تحليل صائب وواقعي لجوهر الصراع
د. لبيب سلطان
(
2026 / 1 / 1 - 22:35
)
تحية للاستاذ العزيز ملهم والشكر على المقالة التحليلية الرائقة بموقع الطبقة المتوسطة والمرأة في قيادة المعركة الاجتماعية داخل ايران ، ماتمتاز به المرأة من موقع قيادي قياسا لمثلها في العراق و عموم الشرق الاوسط وهي واقعا معركة الحريات وتتخذ شكلين الاول هي واقعا معركة النظم القمعية مع الطبقة المتوسطة التي تحمل افكار التحرر الفكري والاجتماعي وكما نظام صدام ومن بعده الميليشيات في العراق فالنظام الايراني كل همه القضاء على هذه الطبقة القائدة للتنوير وللاصلاحات في ايران والعراق و في سوريا و مصر المعركة مع المرأة عدو نظم الموامنة اللدود والتي هي امتداد للمعركة مع الطبقة الوسطى ويعتبرهما نظم الموامنة الايراني والميليشياوي العراقي انهما العدوان متهمين اياهم انهم خونة يمثلون نفوذ الغرب في المجتمع وبالطبع لقمع الفكر والتحضر والانفتاح على الحضارة العقلية الغربية ومنجزاتها التي تتوق لها شعوبنا،انها واقعا معركة الحريات والتحرر الفكري و الاجتماعي من براثن العمايم وسطوة ايات الله بحرسهم واميليشياتهم ..واقعا هذا هو جوهر المعركة رغم الابعاد الاخرى اقتصادية كانت او فساد النظم ..الخ
شكرا
4 - مقاله مهمه تحياتى لك الاخ ملهم الملائكه المحترم
على عجيل منهل
(
2026 / 1 / 1 - 23:58
)
شعارات الحركه الاحتجاجيه القائمه فى ايران شعارات توضح انها مرتبطه بالواقع الاقتصادى فى ايران بسبب التكاليف الماليه والاقتصاديه لدعم الحوثى وحزب الله -وادى الى تدهور الوضع الاقتصادى وتدهور قيمة التومان الايرانى شعار -لا غزة ولا لبنان.. نريد تنمية إيران-
-الثلاجات فارغة وجيوبنا خاوية-.. شعار إيران الثائرة
5 - افاضة مفيدة د. لبيب السلطان
ملهم الملائكة
(
2026 / 1 / 2 - 16:12
)
شكرا للتعليق المفيد دكتور لبيب، شخصيا اعتقد ان العامل الاقتصادي المتفاقم في ايران هو القشة التي قصمت ظهر البعير، فنساء ايران اليوم يهاجمن نظام خميني والملالي بنفس سلاحه، انهن يضربن بدعة الحجاب بالاحذية ويتحدين الشيطان في عقر داره، وانا مقتنع ان هذا النظام يلفظ أنفاسه وهن سينتصرن
6 - معالشكر ..جواب علي عجيل منهل
ملهم الملائكة
(
2026 / 1 / 2 - 16:19
)
شكرا لمروركم وتعليقكم المفيد، الحقيقة ان الشعب الايراني يردد كثيرا من الشعارات في تظاهرات هذه المرحلة لكن اشهرها ولا شك هو - نه غزه نه نه لبنان جانم فدای-;- ای-;-ران- وقد اصبح ايقونة ويمكنك الرجوع اليه على ويكبيديا ومعناه -لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران - هو شاهدة قبر النظام كما يبدو -
7 - إنها الحقيقة بصوت مدوي
ونا التقي
(
2026 / 1 / 2 - 16:42
)
وضعت النقاط على الحروف كما لم يفعل أحد...إنها ثورة النساء تسحق دولة الملالي وتقضي على خزعبلاتهم .اذا سقطت جمهورية الملالي القبيحة سقط مشروع الإخوان المسلمين برمته، الجمهورية الإسلامية هي بوابة الشر، وبالمناسبة فإن أغلب المعجبين بمقالك الجرئ لا تحرك مشاعرهم حقيقة فشل المشروع الاخواني، بل تحركهم الطائفية، أنهم فرحون لأن المشروع الشيعي يترنح.
.. الدولار المحاصر في مضيق هرمز، والضغط الجنوبي على المنظومة ال
.. تراجع اليسار وصعود اليمين يعيدان رسم الخريطة الجيوسياسية لأم
.. تعقيب الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله حول مداخلات ا
.. د. عزوز صنهاجي يستعرض مشاريع ترشيحات الحزب للإنتخابات التشري
.. بنعبد الله يقدم تقرير المكتب السياسي أمام الدورة الثامنة للج