الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لماذا هاجموا جمال البنا ولم يهاجموا ابن عابدين

محمد ابراهيم عرفة

2026 / 1 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مفارقة المواقف من فتوى "التدخين لا يُفطّر" بين التنويريين والفقهاء التقليديين
في عالم الجدل الديني والفكري، قد لا يكون الخلاف هو المشكلة، بل ازدواجية المعايير هي المعضلة الأكبر.
ومن الأمثلة الصارخة على هذه الازدواجية، ما واجهه المفكر الراحل جمال البنا من سخرية واستهزاء واسعَين، عندما أفتى بأن التدخين لا يُفطر الصائم، محتجًّا بأن التدخين ليس طعامًا ولا شرابًا، ولا مما يُقصد به التغذية.
سُخِر منه، واتُّهم بالجهل بالشريعة، بل وبالانحراف عن الدين، واعتبره كثير من الوعّاظ وأصحاب المنابر خارج دائرة الفقه، لأنه – كما قيل – قال بما لم يقل به أحد من قبله!
لكن... هل هذا صحيح؟
هل كانت فتوى جمال البنا سابقة بلا مثيل؟
أم أن هناك من سبقه، بل وكان من كبار الفقهاء، وأصحاب المقامات العلمية، ممن قال بنفس القول أو قريبًا منه؟
ابن عابدين... والقول الذي لم يُستنكر
الشيخ ابن عابدين (ت 1252هـ) يُعدُّ من أعمدة الفقه الحنفي، ومن أشهر علماء الشام، وكتابه "رد المحتار على الدر المختار" يُعتبر من المراجع الأساسية في الفقه الحنفي.
هذا الإمام الجليل نُقل عنه – أو عن المدرسة التي يمثلها – القول بأن التدخين لا يُفطر، لأنه ليس طعامًا ولا شرابًا، ولا ما كان في معناهما، وهذا مبني على القاعدة الفقهية الحنفية في تحديد ماهية المفطرات.
وقد أشار إلى هذا المعنى عدد من العلماء المعاصرين، منهم الشيخ أحمد بن قاسم الغامدي، الذي ذكر أن ابن عابدين – أو من فقهاء مذهبه – قال إن التدخين لا يُفطر، لأنه لا يدخل تحت ما يفطر به الصائم من المأكولات أو المشروبات أو ما كان مغذيًا.
فلماذا لم يُهاجم ابن عابدين؟
هنا تبرز المفارقة الكبرى:
ابن عابدين يُكرَّم ويُبجَّل، ويُلقّب بـ"مفتي الحنفية في بلاد الشام"، ويُعدّ من أئمة الفقه والمذاهب.
أما جمال البنا، فهو عند كثير من المتشددين مجرد "مفكر علماني"، يُسخر منه حين يتكلم، وتُستخرج فتاواه من سياقها لتُضرب بها الأمثال في "الشذوذ الفقهي".
فهل الفتوى وحدها هي المشكلة؟
أم أن المشكلة الحقيقية هي أن قائلها ليس من زمرة "المقبولين" لدى الاتجاه الديني التقليدي؟
الحقيقة أن كثيرًا من أولئك الذين هاجموا جمال البنا لم يعترضوا على مضمون الفتوى ذاتها، بل على جرأة من قالها، وانتمائه الفكري، وليس على أصلها العلمي.
التنويري حين يتكلم يُسخر منه... والفقيه التقليدي حين يقول نفس الشيء يُمجَّد
هذه الحادثة تكشف خللًا عميقًا في تعاملنا مع الرأي الفقهي المخالف:
إذا جاء به فقيه تقليدي، تمّ تأويله، والتمس له المخارج، بل ربما شُرِّح تراثه ليُستخرج له سند.
وإذا قاله مفكر تنويري، تمّ تحطيمه، والسخرية منه، وكأن الجرم ليس في "مضمون القول"، بل في "هُوية القائل".
وهذا، في جوهره، إخلال بأمانة البحث العلمي والفقهي، وانحياز للذوات لا للأفكار.
الختام:
جمال البنا لم يأتِ من فراغ، ولم يخترع فقهًا من العدم، بل استند في كثير من آرائه – ومنها هذه الفتوى – إلى أقوال موجودة في المذاهب الفقهية.
فإن كنتم تصفون ابن عابدين بأنه "مفتي بلاد الشام" وعالم الأمة، فلماذا تُكفّرون أو تسخرون ممن قال بقوله؟
العدل في الفتوى ليس في هُوية قائلها، بل في قوة دليلها واتساقها مع أصول الفقه والشريعة.
فإما أن نتحاكم إلى العلم... أو نتركه ونُسلِّم للهوى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إبستين تدرب على إيدين إيهود باراك وتلقى تمويلات من الموساد ا


.. استهدافات إسرائيلية جنوبي لبنان والجماعة الاسلامية تدين خطف




.. راعى كنيسة الاقباط الكاثوليك بالغردقة يعلق فانوس رمضان على ا


.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتقال عنصر بارز في الجماعة الإسلامية




.. 16- If it was up to us, none of us would have been killed he